اسم المقالة: شبهة اقتصار براعة الصحابة على الجهاد والجماع
المؤلف: د. محمد داود

شبهة اقتصار براعة الصحابة على الجهاد والجماع

يدَّعي بعض الطاعنين أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يحسنون شيئًا من أمور الحياة العملية سوى الجهاد ومجامعة النساء، ويرمون من وراء ذلك إلى وصم الصحابة بالهمجية ونقصان العقل، والطعن في عدالتهم وفيما جاء عنهم من مرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الرد على الشبهة:

قدمت الأمة الإسلامية منذ قيامها أروع الأمثلة في العمل والإبداع والابتكار، وحققت حضارة عظيمة غيَّرت بها وجه جزيرة العرب بين المجتمعات، وذلك على مختلف مستويات الدولة الإسلامية الناشئة، سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، فلم يكن الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ قابعين في مساجدهم يتعبدون ويأتون النساء كما يقول البعض، وإنما كانوا يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله كما أمرهم ربهم ونبيهم.

إن الصورة العملية في حياة الصحابة تبين كيف كانوا ـ وهم الممثلون الأوائل للدين الإسلامي ـ نماذج للعمل والإنتاج، ولم يكونوا رهبانًا متنسِّكين فاصلين بين حقيقة الدين والحياة.

ومن النماذج الفريدة في ذلك:

1.  عبد الرحمن بن عوف (رجل الاقتصاد والأعمال):

أما عبد الرحمن بن عوف فقصته معروفة في الدلالة على الاعتماد على النفس والعزيمة القوية، والجد والاجتهاد في العمل والإتقان فيه:

فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ المَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَارَكَ اللَّـهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ، فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: «فَمَا سُقْتَ فِيهَا؟» فَقَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»([1]).

فهذا نموذج فريد في الاعتماد على النفس وإتقان العمل، فلم يكن مثالًا للسلبية واللامبالاة، وإنما تميز في التجارة والعمل والكسب، وصار مثلًا لرجل الأعمال البارع الذي يتفوق في عمله ويحقق نجاحًا كبيرًا فيه.

2.  رفيدة الأسلمية (طبيبة الإسلام):

هي امرأة من قبيلة أسلم، وقد اشتهرت رضي الله عنها في تضميد الجروح؛ لذا كانت تصحب جيوش المسلمين المقاتلين ضد المشركين لتعالج الجرحى.

فقد تواتر أنه أقيم لها خيمة خاصة وبارزة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لتكون مستشفى لعلاج المرضى والمصابين بالجروح؛ لذا تعتبر خيمة رفيدة الأسلمية ـ على الرغم من بدائيتها ـ أول مستشفى في الإسلام، وقد ذاع صيتها بين معاصريها في فن الجراحة، لهذا السبب اختارها الرسول لعلاج سعد بن معاذ عندما أصيب برمية قوية في معركة الخندق([2]).

وهكذا كانت الصحابية رفيدة الأسلمية من النماذج الفريدة في العمل والإيجابية والتأثير في عصرها، فكانت معروفة بمهارتها في الطب والعقاقير والأدوية وتصنيعها، والجروح وتضميدها والكسور وتجبيرها.

3.  زيد بن ثابت (طالب العلم):

قدَّم الصحابة والتابعون أمثلة فريدة أيضًا في الحياة العلمية في الإسلام، وحرصوا على تعلُّم العلم وتعليمه الناس، ولم تقتصر جهودهم على نوع دون آخر من العلوم، ويكفي أن نذكر هنا الصحابي الجليل زيد بن ثابت، الذي اجتهد وتعلم اللغة العبرية في سبعة عشر يومًا فقط، مَن الآن يستطيع أن يتعلم لغة ويتقنها في مثل  هذه المدة القصيرة؟!

4.  صحابي يحب النظافة والتجمل:

كان للصحابة أيضًا مواقف متفردة في النظافة والجمال، وقد حرصوا على جمال المظهر والجوهر، لقد علموا أن المسلم يجب أن يضم إلى نظافة باطنه نظافة جسده وجمال ملبسه، فمن فعل ذلك فَهِمَ أهداف الإسلام وطبق تعاليمه وتخلق بأخلاقه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كبر، فقال رجل: إنه يعجبني أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسناً، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْر بَطَرُ الحق، وغَمْط الناس"([3]).

وقد امتد هذا التجميل من أشخاص المسلمين إلى بيوتهم وطرقاتهم.

5.  الحُباب بن المنذر (الخبرة العسكرية):

ومن أشهر المواقف التي تصور لنا هذه البيئة الإبداعية التي صنعها النبي صلى الله عليه وسلم؛ وتجاوب معها الصحابة وأظهروا مهاراتهم وقدراتهم الإبداعية موقف يوم بدر:

بعد أن جمع صلى الله عليه وسلم معلومات دقيقة عن قوات قريش سار مسرعًا ومعه أصحابه إلى بدر ليسبقوا المشركين إلى ماء بدر، وليَحُولوا بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عند أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحباب بن المنذر، وقال: يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» قال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم-أي جيش المشركين- فننزله ونغور ـ نخرب ـ ما وراءه من الآبار ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم, فنشرب ولا يشربون، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيه ونهض بالجيش حتى أقرب ماء من العدو فنزل عليه, ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من الآبار.

6.  سلمان الفارسي (الابتكار والأفكار الجديدة):

لما تجمع أصحاب الأحزاب لقتال المسلمين بالمدينة، جمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ليستشيرهم في كيفية الدفاع عن المدينة وصد الأعداء، فأشار الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق، حيث قال: يا رسول الله: إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فوافق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام على هذه الخطة الحكيمة التي لم تكن معروفة لدى العرب، فكانت من أسباب صد الأحزاب وفشلهم.

7.  عمر بن الخطاب(فن السياسة وإدارة الأمور):

لقد بلغ الفاروق عمر رضي الله عنه من  العبقرية والإبداع ما جعل تفكيره لا ينحصر فقط في واقعه الحاضر، وكيفية حل مشكلاته، ولكنه أيضًا يفكر في المستقبل وكيفية حفظ حقوق الأجيال القادمة.

وما أروع قول عمر رضي الله عنه: "لولا آخر المسلمين، ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر". قال ابن الأثير: "لأنه إذا قسم البلاد المفتوحة على الغانمين بقي من لم يحضر الغنيمة ومن يجيء بعدُ من المسلمين بغير شيء منها، فلذلك تركها لتكون بينهم جميعهم"([4]).

8.  خالد بن الوليد(فن القيادة والفكر الحربي):

لما استُشهد قادة جيش مؤتة حمل خالدٌ الراية، وما معه إلا بقية ثلاثة آلاف، ويحيط به من العدو مئتا ألف، وليس في الدنيا قائدٌ يستطيع أن ينقذ هذه القبضةَ من الرجال من وسط هذا اللُّج، إلا أن يأتيَ بأعجوبة؛ وقد أتى بها خالد، واستطاع أن يخرج من لُجَّة البحر من غير أن يبتلَّ، وأن ينسحب من وسط اللهب من غير أن يحترق، وأن يسجِّل للذكاء العربي الذي هذَّبه الإسلام هذه المَنْقَبَة في تاريخ الحروب([5]).

فما إن دخل الليلُ على المتحاربين وتوقف القتال، حتى أعاد خالد تنظيم قواته القليلة، فجعل مقدمتَه ساقته، وساقتَه مقدمتَه، وميمنتَه ميسرتَه، وميسرتَه ميمنتَه؛ فأنكر الأعداءُ ما كانوا يعرفون من رايات المسلمين وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مددٌ؛ فرُعبوا، وكان هدفُ خالد مناوشتهم وإلحاقَ الخسائر بهم، ثم الانصراف بمَنْ معه([6]).

9.  قصة صحابية (الإتقان في الصنعة):

عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة، فقالت نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم مُحتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسينها ما أحسنها! فقال: (نعم)، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه.

فقال له القوم: ما أحسنت! لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، ثم سألتَه، وعلمت أنهُ لا يرد سائلاً، فقال: إني والله ما سألتهُ لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنهُ"([7]).

فهذا نموذج عملي على دقة الصناعة والتفرد فيها والصبر على إجادتها وإخراجها في أفضل حالة، وانتشار الصناعات اليدوية في صدر الإسلام.

10.           حسان بن ثابت (فن الإعلام):

كان الصحابي الشاعر حسان بن ثابت الصوت الإعلامي للإسلام والمسلمين في زمن كان للشعر فيه كلمة مسموعة، فكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرد عنه هجاء المشركين، وسر براعته في ذلك أنه كان عالمًا بأنساب قريش، خبيرًا بمثالب القوم وعيوبهم.

فقد قال رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَا حَسَّانُ اهْجُ المشرِكِينَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ، أَوْ إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ"([8]).

الخلاصة:

إن النماذج العملية من حياة الصحابة والتابعين في مختلف مجالات الحضارة الإنسانية أكثر من أن تُحصى، وحسبنا منها تلك الإشارات، فهذه النماذج الفريدة والشخصيات العظيمة كـابن عوف ورفيدة الأسلمية وزيد بن ثابت والحباب بن المنذر، وغيرهم- قد ضربوا أروع الأمثلة على هذا النبوغ الفريد والإرادة العظيمة،   وقد أوضحنا أن هذه الأمة كانت في نشأتها الأولى أمة ذات هِمَّة، تسعى بكل استطاعتها في العلم والعمل، وأخذت بكل سبيل في إحراز التقدم والرقي، ومن ثم كانت لها حضارتها المتميزة عبر قرون طويلة من الزمن..

تلك هي أمة المسلمين الحقيقية التي علَّمت الإنسانية معنى العزيمة والإرادة في كافة مجالات الحضارة، فلم ينفصل لديهم جانب الدين عن جانب الدنيا، ولا انعزل عندهم الدين عن الدنيا، فقدموا نماذج فريدة في كل مجالات الحياة..

 

 


 

[1]- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: مناقب الأنصار، باب: كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، حديث رقم: (3937).

[2]- انظر: السيرة النبوية لابن هشام، (2/239).

[3]- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، حديث رقم: (147).

[4]- النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، (1/89).

[5]- رجال من التاريخ، علي الطنطاوي، ص47، 48.

[6]- انظر: فقه السيرة للغزالي (368) والرحيق المختوم (391).

[7]- أخرجه البخاري حديث رقم 1277.

[8]- مسند أحمد، (30/ 617).


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©