اسم المقالة: الوسطية فى التشريع الإسلامى
المؤلف: د. محمد داود

الوسطية فى التشريع الإسلامى

أ. د. محمد داود

من مظاهر الوسطية فى التشريع الإسلامى:
أن أحكام التشريع الإسلامى تبنى على المرونة والسعة حيث أنها تتسع لكل الأحوال والظروف التى يمر بها العباد: ففى العبادات نجد أن صلاة المسافر، وصلاة المريض، وصلاة الخائف، .. إلخ. والوضوء: هناك الاقتصار على الفرائض، وهناك التيمم.
وفى الحج: من عجز عن الطواف ماشيًا، طاف راكبًا، أو محمولًا وكذلك فى السعى. ومن عجز عن الرمى .. أناب غيره.
ومن أخطأ فى واجب من واجبات الحج فدى عن ذلك بدم.
وفى الجهاد من عجز عن الجهاد جاهد بماله..
إذًا هناك بدائل تناسب الظروف المختلفة التى يكون فيها الإنسان.
ومن المواقف التطبيقية على هذا المعنى:
رأى كُثير بن جهمان سيدنا عبد الله بن عمر – رضى الله عنهما – يمشى فى المسعى بين الصفا والمروة.
فقال له: أتمشى فى السعى بين الصفا والمروة؟
فقال ابن عمر: لئن سعيت فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى، ولئن مشيت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى، وأنا شيخ كبير».
هذا الموقف فى فقه التيسير على أصحاب الأعذار من المرضى وكبار السن، وتجنب أذى الآخرين بالمزاحمة والمدافعة، وعدم تحميل النفس فوق طاقتها من المشقة. وفيه هدى كريم لحجاج بيت الله تعالى، وقد قال ـ سبحانه ـ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة/286]
وهذا التيسير يدفع الحاج إلى أن يلزم السكينة والتؤدة، وأن يتجنب مدافعة إِخوانه، بل يتحمل ويصبر دون جدال أو مدافعة، فالطمأنينة والسكينة والخشوع من علامات فقه المؤمن للعبادة، وإِخلاصه لله تعالى فيها.
وكان من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحجاج بيت الله تعالى أن يلزموا السكينة، وذِكْرَ الله ، ويتجنبوا إِيذاء الآخرين والجدل ؛ قال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس عليكم بالسكينة ؛ فإِن البر ليس بالإِيضاع»، [أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الحج ، باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسكينة عند الإفاضة ، (1587)] و الإِيضاع: هو الإِسراع.
جاء رجلٌ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإِسلام، فقال رســول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات فى اليوم والليلة».
فقال: هل علىَّ غيرها؟ قال: «لا، إِلا أن تَطَوَّع».
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وصيام رمضان» .
قال: هل علىَّ غيره؟
قال: « لا، إِلا أن تطوع».
وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة. قال: هل علىَّ غيرها؟
قال: «لا، إِلا أن تطوع» فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إِن صدق».
هذا الموقف يعرض للمنهج الإِسلامى الذى يقوم على التيسير ورفع الحرج، وعدم التكليف بما لا يُستطاع.
فالإِسلام درجات متفاوتة ، وقد أوضح النبى صلى الله عليه وسلم للسائل الحد الأدنى للتكاليف بعد الإِيمان، وهو أداء الفرائض المفروضة على كل مسلم ومسلمة، وأعلى منه التطوع بالنوافل، ثم المزيد من البر والإِحسان، وهناك منازل شتى لأهل العمل وأصحاب العزائم والهمم يتنافسون ويتسابقون فى إِدراكها وتحصيل خيرها.
لكن النبى صلى الله عليه وسلم - وهو المعلم الهادى – أرشد سائله إِلى الحد الأدنى؛ تيسيرًا على أمته، وأكَّد هذا فى مواقف أخرى، فعن أبى ثعلبة الخشنى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرَّم حرماتٍ فلا تنتهكوها ، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها ، وسكت عن أشياء من غير نسيانٍ، فلا تسألوا عنها» [حسن: الدار قطنى في صلى الله عليه وسلم سننه، كتاب الرضاع، (42)، وأخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب الأطعمة، (7114)، وحسنه الألباني في شرح العقيدة الطحاوية ص (338)]
وقال عبيد بن عمير: إِن الله أحلَّ وحرَّم، فما أحلَّ فأحِلُّوه، وما حرَّم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحلِّلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله، ثم تلا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة/101] [أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (4/534) برقم (8768)، وابن أبي شيبَة في مصنفه (7/164) برقم (35004)].
أخذ المشركون عمار بن ياسر رضي الله عنه فلم يتركوه حتى نال من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير.
فلما أتى النبى صلى الله عليه وسلم قال له: ما وراءك يا عمار؟
قال عمار: شرٌّ يا رسول الله، ما تركونى حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير.
قال النبى صلى الله عليه وسلم: «كيف تجد قلبك؟»
قال عمار: مطمئن بالإِيمان.
قال النبى صلى الله عليه وسلم: « فإِن عادوا فَعُد».
هذا الموقف أنزل الله فيه قرآناً يُتلى، يعلمنا فقه الضرورات، وكيف أن المسلم ينبغى أن يكون مرناً يتفادى الضرر، وقد اعتمد النبى صلى الله عليه وسلم هذا الفهم وأرشد إِليه عمار بن ياسر؛ ليمحو مشاعر اللوم والتبكيت التى كانت تملأ نفسه؛ بسبب اضطراره لأن ينال من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول كى يسلم من أذى المشركين وينجو من كيدهم له. فبيَّن له النبى صلى الله عليه وسلم أن الكلام الذى خرج منه فى حال الاضطرار لا يؤاخذه الله عليه، وإِنما الاعتبار والمؤاخذة تكون على ما يعتقده الإِنسان بقلبه.
ولا شك أن هذا الموقف يُبصِّر المؤمن بفقه الضرورات، وفى القرآن الكريم، قال الله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة/173].
لكن ينبغى أن يعلم المؤمن أن الضرورة تُقدَّر بقدرها، ولا يجوز للإِنسان أن يتمادى أو أن يبالغ؛ فأكل الميتة مثلاً مباح عند الضرورة، وهى خوف الموت جوعاً ، لكن يأكل الإِنسان منها بقدر ما يبقى على حياته فقط.
أما عن القرآن الذى نزل بشأن هذا الموقف بين عمار وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو قول الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل/106].
ويعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ما ذهب إِليه عمار من دفع الأذى والضرر عن نفسه لون من الرشد فى الفهم، فقد أخرج الترمذى عن عائشة –رضى الله عنها– قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما خُيِّر عمار بين أمرين إِلا اختار أرشدهما» [أخرجه الترمذى (رقم 3799)، والحاكم (3/388)].
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر. فنزلنا منزلًا فى يوم حارّ، أكثرنا ظلًا صاحب الكساء. ومنا من يتقى الشمس بيده، فسقط الصُوَّام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذهب المفطرون بالأجر».
ومن الدلالات التربوية: مراعاة الفروق الفردية فى قدرات أفراد المجموعة حين يتولى الإِنسان قيادتهم والإِشراف عليهم، فالصحابة الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم من كان صائمًا، ومنهم من كان مفطرًا، دون أن يشق النبى صلى الله عليه وسلم على أحد أو يلزمه بالصوم، ما دام الأمر فى إِطار النافلة، فكل إِنسان يأخذ منها على قدر طاقته.
وحين اشتد الأمر ودعت الحاجة إِلى بعض الأعمال، أسندت الأعمال لمن يقوى عليها ويستطيع إِنجازها، وهذا من حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا درس فى الإِدارة من حضرته صلى الله عليه وسلم يعلِّمنا كيف نُوزع الأدوار.

cialis free sample coupons discount coupons for cialis cialis coupon free


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©