اسم المقالة: ملامح الوعى الإصلاحى فى الفكر الإسلامى
المؤلف: د. محمد داود

ملامح الوعى الإصلاحى فى الفكر الإسلامى

 

   العقل المسلم فى مواجهة لاهبة وأمام تحدٍّ خطير فى معركة الوعى والتخلِّى عن الجمود؛ ففى ظل البطالة العقلية ملأ العبث حياتنا، وتراكمت سلبياتنا وأصبحنا لا نستفيد من التجربة ولا ننتفع بدروس التاريخ.. واكتفينا بالتغنىِّ بأمجاد الماضى وغفلنا عن مسئوليتنا عن الحاضر والمستقبل، والدنيا من حولنا تقفز قفزات هائلة إلى المستقبل، ونحن نرتدُّ إلى الوراء!
   والمشكلة أعمق وأكبر من ظاهر هذا الواقع المظلم أمام أعيننا، وذلك لأن أزمة الوعى وثيقة الصلة بضحالة الفكر والخواء الثقافى عند شبابنا؛ ومما هيَّأ الفرص للاختراق الثقافى والتلوث الفكرى، وجعلنا على موائد التبعية للآخر.
وإذا أردنا سبيلاً لتحريك العقول وكسر الجمود الفكرى، فإن من أهم الوسائل التى أصَّلها القرآن الكريم فى العقل المسلم: الحوار العقلانى، ومن طرق الحوار العقلانى ما يعرف الآن بالقراءة التفاعلية.
   لقد اتخذ القرآن الكريم حوار العقل طريقًا لإثارة الفكر والفهم، ولم يَكْتَفِ القرآن بتوجيه الأوامر والنواهى، بل فى قسم كبير من آياته أقام مناقشات عميقة حول أخطر القضايا فى الوجود كله، ألا وهى قضية الإيمان بالله عز وجل؛ لأن القرآن يريد للإنسان أن يؤمن وليس فى نفسه شىء من الشك؛ لأن الإكراه لا يصنع الإنسان المؤمن ولا المجمتع الفاضل، وإنما يصنعهما الإقناع والتربية والوعى.
   لذلك حاور القرآن العقل فى قضية الإيمان بوحدانية الخالق، وحاوره فى صدق القرآن وإعجاز آياته، وحاوره فى خلق الكون والإنسان والحيوان والنبات وسائر المخلوقات، ليرشده إلى أن يتأمل ويتدبر، كى يرى فى عظمة هذه المخلوقات دليلاً على عظمة الخالق سبحانه وتعالى.
   ومن أمثلة حوار العقل فى القرآن هذا الحوار الذى يبدأ بالسؤال والتبصر والتدبر والمقارنة لإيقاظ الوعى والإدراك, قال الله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الطور: ٣٤ – ٤٣].
   وكما أن هذه الآيات فيها إيقاظ للعقل كى يفكر ويتدبر ليدرك ويفهم، ففيها أيضًا تسفيه للعقول المتحجرة التى تتخبط على غير بصيرة.
   وتتسع دائرة الحوار القرآنى مع العقل من خلال فضح الأساطير والخرافات والتصورات الباطلة التى لا تَمُتُّ إلى الحق بصلة.. من ذلك محاجة إبراهيم عليه السلام لقومه، قال الله تعالى:
   {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ}[الشعراء: ٦٩ – ٨٢].
   هنا يظهر مفهوم القراءة التفاعلية، حيث مقابلة الفكرة بالفكرة والحجة بالحجة؛ أى أن الحوار ممتد بين الطرفين فيه تكرار المراجعة بالأسئلة المختلفة التى تكشف منطقهم وتبين حجتهم فيبيِّن الله لهم بطلانها عن طريق الحجج المقنعة.
   ومن سمات الحوار القرآنى مع العقل البشرى أنه يترك الباب مفتوحًا للتفكر والتدبر، على نحو ما نرى فى سورة النمل حيث يطالب القرآن العقلَ ألا يقبل حقيقة بدون برهان، قال تعالى:{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: ٦٠ – ٦٤]
   وهكذا يثير القرآن العقل ليتأمل فى خلق الكون والإنسان؛ لما فيهما من براهين الإيمان ودلائل القدرة.
   ومن أهم نماذج القراءة التفاعلية فى القرآن الكريم: مناقشته للشبهات التى أثارها الكفار حول القرآن، فالقرآن يعرض موقف النبى صلى الله عليه وسلم ثم قول الكفار وشبهتهم، ثم رد القرآن على قولهم وشبهاتـهم، على نحو ما نرى فى سورة يـونس من قولـه تعـالى:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: ١٥ – ١٧].
   • وفى نفس السورة يقول الله تعالى: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: ٣٥ – ٣٧].
   • أيضًا فى سورة الأحقاف يقول الله تعالى:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الأحقاف: ٧ - ٨ ]
   • ومن النماذج الرائعة للقراءة التفاعلية فى القرآن الكريم ما جاء فى سورة "المؤمنون" حيث نرى هذا التفاعل وتلك المراجعة لكشف ما تبقى من شكوك وأوهام داخل النفس البشرية، قال تعالى:{بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[المؤمنون: ٨١ – ٨٨].
   • كذلك نرى فى سورة البقرة هذا الحوار وتلك القراءة التفاعلية فى قصة الموت والحياة، فى قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: ٢٥٨ - ٢٦٠]
   ولقد أخبرنا القرآن أن طبيعة الإنسان طبيعة فطرت على الجدال قال الله تعالى:{وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف:٥٤]
   والجدل يمكن أن يكون إيجابيًّا، حين يكون لتنمية الإدراك والوعى، كما يمكن أن يكون سلبيَّا حين يقوم على التعصب والتخلِّى عن الفهم. ومن مزايا الحوار والجدل أنه يكشف الآراء الضعيفة ويفضح زيفها فتنهار أمام الحقائق، فيكون الإنسان على بينة وبصيرة؛ لذلك أنكر القرآن الكريم على الكفار التبعية والتقليد الأعمى حين تعلَّلوا بأنـهم يتبعون ما ألفوا عليه آباءهم:{قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة:١٧٠].
    كل هذا يؤكد لنا أن القراءة التفاعلية من أقوى السبل لانتشال العقل من الجمود، وإنقاذ الفكر من الظلمة.
ويستطيع الإعلام المعاصر (سواء أكان مسموعًا أم مقروءًا أم مسموعًا مرئيًا ) أن ينهض بـهذه المهمة من خلال طرح قضايا الأمة التى تمثل آلامها وهمومها مع جعل الحوار فيها حرًّا، فالآراء يقدح بعضها بعضًا, وهذا طريق إلى الوعى الذى هو أساس التغيير والإصلاح والنهضة.
   وهذا بدلاً من شغل إعلامنا- على كافة مستوياته - بقضايا هامشية مثل تفسير الرؤى, والآراء سابقة التجهيز فى حجرة الإعداد, والخطوط الحمراء التى تلجمنا عن أن نتنفس رائحة الحق.
   • وليتنا نقترب من مستوى نضج ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا مصعب ابن عمير الذى فتح المدينة فتحًا فكريًّا من خلال الحوار فى المواقف المختلفة.. فحين جاءه أسيد بن حضير ليطرده من المدينة، وقف على رأس حلقة كان يجتمع بـها مع قلة مؤمنة بالمدينة، وألقى برمحه فى وسط الحلقة كلون من التهديد، إنـها لغة العنف والجسد، فحوَّل سيدنا مصعب الموقف إلى حوار عقلى وقراءة تفاعلية حيث خاطب أسيد بن حضير قائلاً:
   - ياسيد قومه، هلاَّ جلست فاستمعت لما أقول؟ فإن اقتنعت به تركتنى وشأنى، وإلاَّ خرجت بعيدًا عن البلاد والعباد.
   فجلس أسيد فاستمع إلى آيات من القرآن تلاها عليه سيدنا مصعب، وتصاعد حوار العقل بينهما عن القرآن وعن الإسلام وعن النبى صلى الله عليه وسلم.. وكانت نتيجة هذا الحوار العقلى الذى دُعِّم بآيات الإيمان من القرآن الكريم أن أسلم أُسيد وأسلم معه قومه لمكانتة منهم.
   بل إن المتأمل لآيات القرآن، يرى أنه يسوق كثيرًا من الآيات فى صورة مقدمات ونتائج، وهذا أسلوب يثير التدبر والتأمل.
   وكل هذا يؤكد أن حوار العقل ضرورة حياتية وقيمة حضارية، وهذه التبعة تقع على رجال الفكر والعلم المنوط بـهم أن يقودوا الأمة نحو الوعى.

 


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©