اسم المقالة: الإنسان وسجود الكائنات
المؤلف: د. محمد داود

الإنسان وسجود الكائنات

 

  الإنسان بين المخلوقات فى موكب السجود:

يتأمل الإنسان هذه الحياة المليئة بالمتناقضات وعبث الإنسان؟ فظلم هنا وفقر هناك، ودمار وخراب، وطغيان وإفساد ... وقد ألمَّ الخوف بالجميع: القوىِّ قبل الضعيف، والغالب قبل المغلوب ... وأفسد الإنسانُ ما أولاه الله من نعم فلوَّث البيئة وأفسد طعامه وشرابه وهواءه.

لقد كانت الملائكة قلقة على مستقبل الإنسان فى هذه الأرض، حين استوضحت من ربـها فسألت: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}(البقرة/30). وكان الجواب من العلِّىِّ الأعلى:{ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.

لقد كرم الله الإنسان بين المخلوقات التى خلقها فى هذا الكون وجعلها مسخَّرة له قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}(لقمان/20).

 وأخبر القرآن أن هذه المخلوقات سابقة فى وجودها على الإنسان، لقد مرت أزمان على الكون بمخلوقاته المسبحة الطائعة ولم يكن للإنسان ذكر ولا وجود، ثم خلق الله الإنسان وجعل له ذكرًا وجعل له وجودًا، قال الله تعالى:{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا}(الإنسان/ 1).

     وتأتى الآية الثامنةَ عشرةَ من سورة الحج لتكشف لنا عن موقع الإنسان بين هذه المخلوقات والكائنات، وكيف أن جميع الكائنات فى هذا الكون ساجدة لله تعالى لم يتخلف منها أحد، وكانت الحقيقة مرة بالنسبة للإنسان فالإنسان وحده بين كل هذه الكائنات هو الذى انقسم إلى فريقين.

 قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}(الحج/18).

والآية تقرر أن كل الكائنات بأنواعها ساجدة لله عز وجل دون أن يتخلَّف منها كائن، أو يشذ عن موكب السجود شىء منها وسبحانه الله القائل: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (الإسراء/ 44).

إلا أن أمر السجود بشأن الإنسان كان عجبًا، إن الإنسان وحده – من بين كل هذه المخلوقات والكائنات – هو الذى انقسم إلى فريقين: فريق كان مع موكب السجود وكان من الخاشعين الطائعين، فاستحق التكريم من الله عز وجل، وهو المقصود بقوله تعالى: { وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ}، وفريق آخر من الناس خرج عن موكب السجود وخالف ما عليه الكائنات فأعرض وعصى، وتجبَّر وطغى؛ فحق عليه العقاب واستحق العذاب، وهذا الفريق هو المقصود فى قوله تعالى:{ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}، ثم يقول ربُّنا معقبًا: { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} وفى هذا تحذير شديد للإنسان من الوقوع فى حبائل الشيطان ومخالفة الرحمن والشذوذ عن موكب السجود لله.

ومن الحقائق القرآنية المتصلة بـهذا المعنى أن الكائنات التى سخَّرها الله للإنسان تكون فى موقف الرفض لهذا الإنسان والبغض لـه إذا كان عاصيًا لربه، فالعاصى والمخالف لربه لا تحبُّه الأرض التى يمشى عليها، ولا الماء الذى يشربه، ولا الطعام الذى يأكله، ولا السماء التى يستظل بـها، يشهد لذلك قوله تعالى عن المشركين:{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ}(الدخان/ 29).

فى مقابل أن الإنسان الطائع لربه يبكى عليه موضع عمله الصالح من الأرض،  ومصعد عمله فى السماء، كما أخبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

بل ويعطينا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم مزيدًا من التوضيح لرفض الكائنات وبغضها للإنسان الذى خالف ربه وشذّ عن موكب السجود، فيقول: "استأذنت البحار أن تخسف بابن آدم  ... لو خلقتموهم لرحمتموهم".

 ما المقصود بالسجود؟

لقد عبَّر الله فى هذه الآية عن طاعة الكائنات واستسلامها لخالقها بأعلى منـزلة فى الطاعة، وهى السجود. والسجود إنما هو سلوك المؤمنين المهتدين، وهو القمة التى يبلغها الإنسان فى علاقته بالله عز وجل، إنه الاستسلام التام والخضوع الكامل، والتذلل إلى الله سبحانه وتعالى، وقد مدح الله به المؤمنين، من ذلك قوله تعالى:{إِنَّمَا يُوْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}(السجدة/ 15).

وقولـه تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}(مريم/ 58).

وقوله تعالى فى صفة عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (الفرقان/ 64).

ووصف المؤمنين بأن النور الذى يعلو وجوههم هو من أثر السجود.

فقال عز وجل : {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ4} (الفتح/29).

ووُصِفَ كثير من الصحابة والتابعين بأنه كان ساجد القلب، ووُصِفَ خُلَّص العلماء بالسجود, قال الله تعالى:

{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر/ 9).

وأخرج الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى فراس ربيعة بن كعب الأسلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أهل الصُّفَّة عز وجل.

قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآتيه بوضوئه وحاجته.

فقال صلى الله عليه وسلم: "سلنى".

فقلت: أسألك مرافقتك فى الجنة.

فقال صلى الله عليه وسلم: "أو غير ذلك؟"

قلت: هو ذا.

فقال صلى الله عليه وسلم: "أعنِّى على نفسك بكثرة السجود".

فالسجود – إذن – من كبريات الوسائل لترويض النفس كى تتزكى، وهو – بذلك – من الوسائل التى توصل إلى الجنة.

وفى هذا المعنى روى الإمام مسلم فى صحيحه أيضًا عن عبد الرحمن، ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

"عليك بكثرة السجود؛ فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بـها درجة وحط عنك خطيئة".

والسجود الذى يريده رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذه الأحاديث ليس مجرد السجود الحسى المعروف، وإنما هو – مع حركة السجود الحسى – يشمل المعنى العميق فى النفس الذى تتمثل فيه جلال الله وعظمته ورحمته ووده، ويتمثل فيه سجود القلب والعقل، بمعنى الخضوع لهذا الجلال وهذه العظمة، والانقياد المطلق، والاستجابة الكاملة لهدى الله سبحانه، فإذا كان السجود بـهذا المعنى، كان بذلك سبيلاً إلى الجنة بل إلى أكثر من الجنة، وهو القرب من الله عز وجل.

 قال الله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}(العلق/ 19).

ويقول النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا المعنى: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".

ويتنافى السجود لله مع تقديم هوى النفس أو العقل على أمر الله سبحانه، وكل سلوك من هذا القبيل إنما هو لون من الكبرياء والإبليسية التى تعود إلى كبر إبليس حين أمره الله بالسجود لآدم، فرأى نفسه وقارن بعقله بين أصل خلقته وأصل خلقة آدم، فقال:{أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (الأعراف/ 12).

وقال:{أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا}(الإسراء/ 61).

وغفل إبليس عن أن السجود إنما هو امتثال لأمر الله، ولا يتعلق الأمر بأصل خلقة هذا ولا ذاك، فالله قد أمر، وليس بعد أمر الله قول ولا مناقشة ولا تَعالمٌ على الله عز وجل.

وفى هذا المعنى يقول ربنا جل جلاله:

{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(النساء/ 65).

ويقول تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}(الأحزاب/ 36).

ويقول النبى صلى الله عليه وسلم : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به".

وإذا كان لإبليس خلفاء من بنى آدم فهم هؤلاء الذين يحاولون أن يقوموا بدور إبليس فى المجتمع الإنسانى، إنـهم هؤلاء الذين يشككون فى الوحى الإلهى، إنهم هؤلاء الذين يحاولون أن يَزِنُوا الوحى الإلهى بميزان العقل فيرفضوا ويقبلوا ويؤولوا ما شاء لهم الهوى، هؤلاء سجدوا للعقل ولم يسجدوا لله، وسبيل المؤمنين إنما هو السجود لله وحده، وذلك سبيل الراسخين فى العلم؛ إذ الراسخون فى العلم هم دائمًا مؤمنون لله ساجدون لأمر الله، وإليهم تشير الآية الكريمة:

{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}(الزمر/ 9).

وختامًا: لا ملاذ للبشرية إلا أن تسجد لمن خلقها فسواها، وأسبغ عليها نعمه ظاهرة وباطنة؛ ولا نجاة للإنسان  بتحقيق معنى السجود لله فى حياتـه كلها، الاستسلام الكامل لله الاستجابة الحقيقية لهدى الله  وحسبنا موعظة أن أول أسرة نزلت لمعركة الحياة فى صراع الخير والشر بين البشرية وإبليس: آدم وحواء عليهما السلام،قد أرشدهم الله عز وجل وعلمهم سر النجاة والنجاح فى معركة الحياة على هذه الأرض، فقال تعالى:

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة/ 38).

وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}لأنفال/24).

 هذا وإلا فجزاء الإعراض عن موكب السجود وبيئة الأنوار ما تعيشه البشرية الآن من طغيان وإفساد وتناقضات ألم يحذرنا الله تعالى:

{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}(طه/ 124).

 

اللهم بنور القرآن نوِّر قلوبنا، وببركته حسِّن أعمالنا، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم .

 

والحمد لله رب العالمين

 

  Dr.mohameddawood@yahoo.com

 

 


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©