اسم المقالة: بناء العقول أولى
المؤلف: د. محمد داود

بناء العقول أولى


      من الظواهر اللافتة للانتباه في عصرنا الحاضر ـ اتجاه بعض الأثرياء إلى تشييد المساجد الفخمة ، والمبالغة في زينتها، حتى تحس وأنت بداخلها كأنك في قصر فخم.
   وبقدر ما نمتدح في هؤلاء حبَّهم للخير وسخاءهم في الإنفاق، فإننا نود أن نضع بين أيديهم فقهًا لأولويات الإنفاق، وواجبًا من أهم واجبات المرحلة الراهنة وتحدياتها التي تفرض على القادرين من أبناء الأمة، وتهيب بهم أن يقوموا بدورهم وأن يضطلعوا بمسئوليتهم في إنقاذ الأمة من محنتها، وتصحيح مسارها، والتحوُّل بها من هذا الواقع المرير المتخلف والعاجز إلى أفق حضاري وإنساني يليق بتاريخنا وحضارتنا ، وعظمة ديننا وآمال أمتنا.
وواجب هذه المرحلة وتحديَاتها وأولوياتها ليس بدعة نخترعها، بل فقه يفرضه واقع مشهود من التردي الثقافي والعلمي، والتخلف عن ركب العلم والحضارة.
   • فحدث الآن ولا حرج عن نقص الإمكانيات فى مدارسنا، وحالة المعامل والمكتبات والملاعب وحجرات الأوساط التعليمية، وكل ذلك ينعكس بالسوء على العملية التعليمية وبناء الأجيال القادمة.
   • أيضًا تَراجُع جامعاتنا عن المستوى اللائق بها في التصنيف العالمي للجامعات؛ حيث جاء ترتيب الجامعات المصرية والعربية في التصنيفات العالمية فى ترتيب متأخر .
   • وإلى جانب ما سبق ما زلنا نفتقد النظرية الإسلامية في مقابل النظريات المختلفة للفكر المادي المعاصر بشكل يغطي الحاجة، ويملأ مساحة التنافس الحضاري الذي يصل إلى حد الصراع، ويسد فجوة الفراغ الفكري الذي يعاني منه المسلمون اليوم، فلم نتمكَّن حتى الآن من تأسيس نظرية إسلامية بالمستوى العلمي والفكرى والإبداعي المطلوب لتشكيل العقل الحضاري الإسلامي المعاصر؛ على الرغم من أن تاريخ الفكر الإسلامي يعطينا صورة مشرقة، ويعكس عبقرية المفكرين والعلماء المسلمين في المجالات المختلفة، وقد خلَّفوا لنا ملايين المؤلفات والآثار العلمية الباهرة.
   • وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك مجالات علمية لم يطرقها العقل المسلم إلا بشكل محدود وضيق، مثال ذلك: علوم الفضاء ؛ وثورة النانوتكنولوجي، والثورة الرقمية ... إلى غير ذلك من المجالات العلمية والثقافية.
   • وهذا يعني أننا الآن أصبحنا تبعًا للآخر ، ولسنا شركاء فى صنع الحضارة .
   • إن الفكر الحضاري الإسلامي الذي نما وازدهر في عصور الإسلام الزاهرة؛ حيث بلغت حضارة الإسلام أوج قوتها وازدهارها بما لا يدع مجالًا للشك أو الإنكار، هذا الفكر العظيم لم يقم بذاته، ولم تستورد الأمة له خبراء لتقيم بنيانه، وإنما قام على أكتاف أبناء هذه الأمة، جيلًا بعد جيل، حين أدركت هذه الأجيال دورها، وجعلت الأولوية الأولى فى الإنفاق لبناء الإنسان، لبناء عقله ووعيه وعلمه . لكن كيف انتهى الأمر إلى ما نحن عليه من التراجع العلمي والحضاري ، بل الغياب العلمي والحضاري للأمة؟!
   • إزاء هذا الواقع المتردي والفجوة الحضارية التي تفصلنا عن ركب الحضارة ليس أمامنا إلا أن نبذل كل ما يمكن بذله من الجهود المخلصة لإعادة بناء العقل المسلم في ضوء معطيات جديدة، وعلى أسس ثابتة تعطيه دفعة قوية نحو مكانة تليق به في العالم المعاصر؛ ولن يتأتى لنا ذلك إلا بالعلم؛ فالعلم هو بداية الطريق الصحيح للخروج من هذا المأزق، وبه يمكن أن نسد الفجوة التقنية والعلمية، وبه نستطيع أن نكون شركاء في صنع الحضارة، بدلًا من موقعنا الاستهلاكي، وأن نكون شركاء في صنع القرار بدلًا من موقع التبعية للآخر .
   • من هنا تأتى أهمية بناء الإنسان المسلم كي يكون مؤهلًا للنهوض بمهمته الحضارية. وعلى قدر ما يقوم هذا البناء على أساس العقيدة، وغرس روح علو الهمَّة، وروح الإحساس بالمسئولية، وإيجاد الوازع النفسي، وإشاعة ثقافة الحوار وأدب الاختلاف، واحترام التخصُّص العلمي، وإطلاق طاقات الإنسان الإبداعية، وتربية القيم الحضارية التنموية، ومن المهم بمكان أن يقوم كذلك على بناء عقل الإنسان المسلم ، ودعم التفكير، وبث روح العلم والتدبر التي دعا إليها القرآن العظيم لندخل مجال الكون الذي خاصمنا علومه وكان هذا سبب تخلفنا العلمى .
لقد كانت دعوة الإسلام موجهة أساسًا إلى الإنسان، بهدف الارتقاء به إلى المستوى اللائق به، ولهذا خاطب الإسلام العقل، وكان محور اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم هو بناء الإنسان بناءً إيمانيًّا وحضاريًّا، عن طريق غرس الإيمان في القلوب بالعقيدة، وتحرير الوعي في العقول.
   • خلاصة القول أن الإسلام قد أعاد بناء العقل العربي؛ ولهذا ترى لكل من آمن بالإسلام شخصية جديدة وُلدت مع اعتناقه للدين، ونمت وتربَّت في مدرسة الدعوة الأولى، في دار الأرقم، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وعواصم الإسلام، ودور العلم ومدارسه المنتشرة في بلاد الإسلام، وكان المسجد منارة لبث هذه الروح ونشر العلم والمعرفة.
   كان هذا حين كان بناء العقل والوعي هو الهدف ، لا بناء الحوائط وتزيينها، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، حين بنى مسجده بالمدينة المنورة، فعرض عليه بعض الصحابة تزين المسجد، فقال صلى الله عليه وسلم كما جاء فى الأثر : «لا ، وإنما عريش كعريش موسى».(أخرجه الطبرانى في الكبير، وعبد الرزاق في مصنفه) .
   ولكل عاقل من المؤمنين أن يتساءل عن هذه المساجد الفخمة في تاريخ الأمة، حين بنى كل إنسان مسجدًا لتمجيد اسمه، ثم امتُهنت تلك الحوائط، وأكبر مثال على ذلك مسجد قرطبة في إسبانيا، الذي كان ذات يوم ثالث أكبر المساجد الإسلامية، وقد تم تحويله إلى كاتدرائية في عام 633هـ / 1236م.
ويكفينا ما يحدث للأقصى الآن من تهويد، والأمة عاجزة عن أن تصنع شيئًا إزاء ثالث أقدس المقدسات الإسلامية.
   • إن التراجع الذي أصاب رسالة المسجد ؛ فلم يعد منارة لنشر الحضارة، وإنما مجرد حوائط وزينة مبالغ فيها، ولا تجد فيها إلا قلَّة من المصلين، هذا التراجع هو انعكاس لثقافة بناء الجدران لا بناء الإنسان.
   • ولقد آن الأوان لعقلاء الأمة أن يهبُّوا لتغيير هذه المعادلة المقلوبة، حيث يمكن أن نجد الآلاف ممن يوافقون على التبرع لبناء الجدران، لكن النفقة على بناء العقول قَلَّ مَن يقتنع بها، مع أنها الأولى والأهم .
فإن النفقة على طلاب العلم وبناء العقول، والبحث العلمى، والمؤسسات البحثية أولى وأجدر ألف مرة من بناء المساجد الفخمة وتزيينها.

وما يعقلها إلا العالمون، وما يتذكر إلا أولو الألباب.



dr.mohameddawood@yahoo.com

 


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©