اسم المقالة: حوارٌ..لا عناد
المؤلف: د. محمد داود

حوارٌ..لا عناد

• لقد جعل الله الإنسان كائنا حرًا مسئولًا، فأما عن الحرية: فيكفى أن نتدبر كيف أن الله أعطى الحرية فى أعظم ما فى الوجود وهو الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف/٢٩). وما دام الإنسان حرًا فى اختياره فالعدالة تقتضى أن يكون الإنسان مسئولا عن اختياره، قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة/8:7).
• وجعل الله الحوار أساس المسائلة، ففى أخطر معصية وقضية فى الوجود وهى معصية آدم لربه، لما أمره الله بالسجود، فإن الله لم يعاقب إبليس قبل أن يحاوره ويسأله (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) (الأعراف/12).
• فإن كان هذا بين الله الخالق وبين بعض مخلوقاته التى تعقل الحوار والحرية والمسئولية فما بال البشر لا يستجيبون لهذا الهدى الرباني.
• والأسوة الحسنة فى الحوار الإيجابي الذي يقوم على أن يسمع كل طرف الطرف الآخر بوعى واهتمام وأن يتكلم كل طرف مع الطرف الآخر باحترام هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
• ومن المواقف العملية على ذلك موقف الشاب الذي جاء يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بالزنا، فكان الحوار الهادئ مع الشباب ليعالج النبى صلى الله عليه وسلم الفكرة الخاطئة فى عقل الشاب ويعالج أيضًا المشاعر الملتهبة بشهوة الزنا فى قلب الشاب. لقد عالج النبى صلى الله عليه وسلم الفكرة الخاطئة فى عقل الشاب بالحوار، حيث قال له: أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟ أترضاه لخالتك؟ أترضاه لعمتك؟ فقال الشاب: لا يا رسول الله، فقال النبى صلى الله عليه وسلم وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم ولا لأخواتهم إلخ.  ثم مَدَّ النبى صلى الله عليه وسلم يده الرحيمة ووضعها عل قلب الشاب ودعا له أن يطهر الله قلبه (من المشاعر الملتهبة بشهوة الزنا). فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم طَهِّر قلبه، وحَصِّن فرجه". ولننظر إلى ثمرة هذا الحوار، لقد قال الشاب: والله ما رفع النبى صلى الله عليه وسلم يده عن قلبى حتى صار الزنا أبغض شئ إلىّ.
نعم بالحوار يمكن أن تتضح الحقائق.. وتتضح النوايا والمقاصد فى أذهان الناس. فيقترب الناس بعضهم من بعض.
ونتغلب على كثير من المشاكل فى بيوتنا وفى مؤسساتنا وفى شتى جوانب حياتنا.
• أما عن تربية الأولاد، فلا يغيب الحوار الهادى الودود بين الأب وأبنائه، وبين الأم وأبنائها، وبخاصة إذا بلغوا الرشد، ومن أمثالنا العربية فى العامية "إن كبر إبنك خاويه".
• ولنا إسوة فى سيدنا عمر ابن عبد العزيز لما دخل عليه ولده، وقال يا أبى لما تأخذ الناس على الحق والخير مرةً واحدة؟ فقال له، يا بنى أخشى إن حملتهم على الحق مرة واحدة أن يرفضوه مرة واحدة، ألا ترى يا ولدى أن الله حرم خمر فى أربع خطوات.
• وعلم ابنه أن التدرج فى الأمور إنما هو سنة جارية فى خلق الله لأن نفوس البشر ليست كالآلات تتغير حالتها بلمسة مفتاح.
• ومن الأمثلة الزكية على الحوار بين الآباء والأبناء، هذا الحوار بين أبى يزيد البسطامى لما أرسل ولده ليحفظ القرآن، فلم حفظ الولد أول سورة المزمل : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) (المزمل/2:1).  قال الولد لأبيه لم لا تقوم الليل يا أبى؟ فقال أبو يزيد لولده، هذا خاص بالنبى صلى الله عليه وسلم.
والتزم الولد الصمت. حتى وصل فى الحفظ إلى قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) (المزمل/٢٠).
وعلم الولد أن الطائفة التى تقيم الليل هم أصحاب النبى محمد صلى الله عليه وسلم و رضي الله عن صحابة الكرام. فقال لوالد يا أبى: لا خير فيمن لا يقتضى بالنبي وصحبه. فتأثر الوالد، واستجاب لولده وصار يقيم الليل.
• إن الحياة فى أي منحى من جوانبها لا يمكن أن تسير بمنطق الأوامر المطلقة، والإملاءات التى لا تحمل فى طياتها حوارًا ولا إقناعا.
وما أحوجنا فى هذه اللحظات الفاصلة فى حياة وطننا الغالى مصر أن نستجيب للغة الحوار بدلا من العناد المتبادل و الذي نخشى أن يكون الوطن هو ضحية هذا العناد.
والله نسأل أن يؤلف بين القلوب المتنافرة. والعقول المتعاندة إنه ولى ذلك والقادر عليه.


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©