اسم المقالة: اللغة عنوان السيادة الوطنية
المؤلف: د. محمد داود

اللغة عنوان السيادة الوطنية

 

لم تعد اللغة تقف عند حدود التواصل الاجتماعى، بل أصبحت تمثل جزءًا لا يتجزأ من السيادة الوطنية، ويكفى الإشارة إلى تجربة الاتحاد الأوروبى التى تخطت كل مقاييس الاندماج، فى المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والقضائية، ومع ذلك فإن هذه الوحدة قد توقفت عند حدود اللغة، حيث يعمل فى مؤسسات الاتحاد الأوروبى (الذى يشمل 27 دولة وبه 26 لغة) نحو 4000 أربعة آلاف مترجم فورى وتحريرى بغية حماية الشرعية الديمقراطية للاتحاد(1)

  • مظاهر السيادة الوطنية واللغة:

السيادة الوطنية تعني الوجود الحر المستقل الآمن الذي به تتحقق مصالح البلاد، بعيدًا عن التهديد، ومعناه أن تملك الدولة سلطة عليا حرة في إدارة شئونها داخليًّا وخارجيًّا، والعلاقة بين السيادة الوطنية والأمن القومي علاقة طردية؛ بمعنى أنه كلما زادت مساحة السيادة الوطنية، زادت إمكانية تحقيق الأمن والاستقرار.

ومظاهر السيادة فى الدولة الحديثة هى:

1- الحرية.

2- الاستقلال.

3- حق تقرير المصير.

والسيادة الوطنية مجالها نطاق حدود الدولة، تنتهى بنهاية حدودها، ولكنها - فى المقابل - لا تعنى انفصال الدولة وعزلتها عن محيطها العربى والإسلامى، والثوابت القومية وأولها اللغة؛ فاللغة هى الوعاء الحاوى للثقافة، ووسيلة من وسائل التفكير الذى يحدد رؤية العالم؛ لذلك فهى أهم ركيزة لتحصين الهوية والذات والشخصية، ومن الواجب الدفاع عنها لحفظ المكانة والاستمرار بين الأمم؛ فإن قوة الأمة من قوة لغتها كما أشار ابن خلدون، واللغة هى الأساس المتين الذى تقوم عليه حياة الأمة كما يقول أندرسون(2).

وسيادة الأمم تبدأ بسيادة لغاتها ومؤسساتها التى ترقى بهذه اللغات، وهذه حقيقة تؤكدها الشواهد التالية:

- فما صارت الإنجليزية لغة دولية لقدسية فيها، بل لأنَّ أهلها جعلوا منها لغة دولية، يوم أبدى بنيامين فرانكلين عام 1750 قلقه من انتشار الألمانية فى ولاية بنسلفانيا، ويوم عارض جورج واشنطن تشجيع الهجرة إلى الولايات المتحدة مبررًا ذلك بأن المهاجرين من بين أخطارهم أنهم: "يحتفظون بلغاتهم التي أتوا بها"!

- كما عملت فرنسا وتعمل على إثبات حضورها كحضارة وقوة عالمية رئيسة عبر بسط سيطرة الفرنسية من خلال منظمة الفرانكوفونية (3).

- ومن قبل هؤلاء استخدم اليهود فى الأندلس اللغة العبرية بوصفها وسيلة يحفظون بها طقوسهم الدينية، واستخدم الأطباء اليهود فى بولندا مصطلحات طبية عبرية بدل اللاتينية التى استخدمها الأطباء المسيحيون.

كل هذا يفسر سعى هؤلاء إلى التميز الحضارى والثقافى، وإلى الحفاظ على الهوية؛ لأن الهوية مفهوم ذو دلالة لغوية وفلسفية واجتماعية وثقافية.

وإذا كانت السيادة الوطنية تعنى: السلطة العليا المطلقة التى تتفرد وحدها بالحق فى إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال، فإن جوهر السيادة هو الحفاظ على الهوية، واللغة – كما سبق – أول دعائم هذه الهوية، فالحفاظ على اللغة حفاظ على مقومات الأمة وبقائها وحضارتها وسيادتها.

  • العربية والعولمة اللغوية وتحديات خطيرة:

تبوأت اللغة العربية إبّان الفتح الإسلامى مكانة مرموقة بين لغات العالم، وارتبطت بقوة المسلمين، فكانت لغة العلم حتى القرن الخامس الهجرى، ومرت بعد ذلك بمراحل من الغزو الثقافى واللغوى، بل وتعرَّضت للاضطهاد اللغوى أيام الترك والاستيطان الأوروبى. ومع كل ذلك ظلت العربية صامدة فى كثير من المواقع، ولكنها خسرت فى مواقع أخرى؛ فقد خسرت فى تركيا وماليزيا حيث استبدلت الحروف العربية باللاتينية.

ولا يخفى أن العربية الآن فى عصر العولمة، تواجه تحديات خطيرة جدًّا، تتمثل فى تيار الإنجليزية الجارف، وتتمثل مظاهر العولمة اللغوية فى العالم العربى فىما يلى (4):

- التداول بالإنجليزية فى الحياة اليومية.

- كتابة لافتات المحالّ التجارية بالإنجليزية.

- التراسل عبر الانترنت والهواتف النقالة بالإنجليزية.

- اشتراط إتقان الإنجليزية للتوظيف.

- كتابة الإعلانات التجارية بالإنجليزية.

- كتابة قوائم الطعام فى المطاعم والفنادق بالإنجليزية.

- لغة الخطاب للمضيفات بدرجة رجال الأعمال فى الطائرات العربية بالإنجليزية "طيران الاتحاد نموذجًا".

هذا على المستوى المدنى، أما على المستوى الرسمى فقد كفلت كثير من التشريعات الحكومية فى البلاد العربية موقعًا متفوقًا للغة الإنجليزية من حيث اعتبارها اللغة الأجنبية الأولى فى النظم التعليمية فى البلدان العربية التى احتلتها إنجلترا، وكذلك الأمر بالنسبة للفرنسية فى البلاد العربية التى احتلتها فرنسا.

وتتمثل هيمنة اللغات الأجنبية وبخاصة الإنجليزية والفرنسية فى العالم العربى فى ما يلى:

1- تعليمها فى مراحل الطفولة المبكرة.

2- استخدامها لغة رئيسة فى التعليم الجامعى، ولا سيّما فى العلوم الطبيعية والطبية والحاسوب والعلوم الإدارية والاقتصاد.

3- استخدامها لغة رئيسة فى مدراس اللغات؛ إذ تُدَرَّس بها جميع المواد حتى التربية الوطنية!

4- اعتمادها لغة رسمية فى المعاملات التجارية والقانونية التى تنفذها الدولة والشركات والمؤسسات العامة والخاصة.

أين نحن من طوفان المعلومات والمعرفة العلمية؟ وما دورنا بوصفنا عربًا فى العالم؟ أين العرب؟ وما جدوى تعلم اللغة العربية فى هذا العصر: عصر المعلومات والعولمة؟! وأين الجامعة العربية؟ وماذا سيفعل الشباب بعد تخرجهم من الجامعة، حيث لا عمل ولا وظائف ولا زواج ولا حياة؟!

 ماذا عن ثروات العرب البترولية؟ ومن المستفيد منها؟ وأين نحن فى عصر العولمة والأمركة؟ وماذا عن المشروع الأمريكى "الشرق الأوسط الجديد"؟

ومع حالة الاستنفار التي يتخذها المثقفون والأكاديميون إلا أن ما يبذل في خدمة العربية ما يزال قاصرًا عن الحد المطلوب، وليست الحكومات العربية كافلة للعربية ما كفلت أمريكا وإنجلترا للإنجليزية، ولعل العراق كان آخر قلاع العربية قبل أن يلحق بفلسطين، فقد خسرت العربية حصنًا من حصونها كان يصون العربية ويكفل بتشريعاته حمايتها.

وأيضًا وضع جنوب السودان بعد فصله عن السودان وقد أعلن أن لغته الرسمية هى الإنجليزية.

  وبالرغم من السوداوية والتشاؤم اللذين يسودان نفوس اللغويين والمفكرين العرب؛ فإنهم يتفاوتون فى رؤيتهم لمستقبل العربية، فبعضهم يركن إلى الآية الكريمة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر/٩] دون عمل ،كأنما يقول: دع العربية وشأنها، فإنهامحفوظة!

وفريق آخر له رؤية الأمل مع العمل، حيث يرى هذا الفريق أنه يجدر بنا أن نعيد النظر فى قراءتنا للصراع الثقافى الرهيب فى إطار العولمة؟ لقد خصص المفكر الأمريكي صمويل هنتنجتون فى كتابه "صدام الحضارات" جزءًا مهمًّا تناول فيه اللغة من حيث إنها عنصر مهم من عناصر الحضارة ومكوناتها، ولما كان الرجل يتحدث عن الصراع الحضارى عامة؛ فإنه كان يعنى الصراع اللغوى على نحو أخص، ولما كان هدف كتابه أصلًا لفت النظر إلى "خطر" الحضارة الإسلامية القادم، فقد احتلت اللغة العربية جانبًا كبيرًا من هذا التصور؛ إذ هى مكون هام من مكونات الدين الإسلامى، وعامل رئيسى من عوامل التوحُّد بين المسلمين. ولما كانت فكرته قائمة على أن توزيع اللغات وتزايد انتشارها أو تناقصه مرتبط بتوزيع القوى؛ كان طبيعيًّا أن يتوقع تزايد قوة العرب والمسلمين(5).

ويأتى رأى الأديب الإسبانى"كاميلو خوسيه سيلا" الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1989، ليثير كثيرًا من الجدل فى الأوساط الغربية ولا سيما دعاة العولمة؛ ومفاد هذا الرأي أن لغات العالم تتجه نحو التناقص، وأنه لن يبقى إلَّا أربع لغات قادرة على الحضور العالمى، هذه اللغات هى: الإنجليزية والأسبانية والعربية والصينية. وقد بنى " كاميلو خوسيه سيلا " رأيه على استشراف مستقبلى ينطلق من الدراسات اللسانية التى تعاين موت اللغات وتقهقرها واندثارها (6).

ويتخذ الدكتور عبد السلام المسدى من رأى " كاميلو خوسيه سيلا " منطلقًا لتناول القضية ؛ إذ يؤمِّل أن تكون العربية واحدة من اللغات العالمية التى سيكتب لها البقاء، ويرى أن اللغة العربية قد تشكل - فى طموحاتها المستقبلية- أخطارًا حقيقية على دُعاة العولمة الثقافية وسياساتهم التهميشية، وذلك مردود إلى جملة أسباب هى:

1. احتمال تزايد الوزن الحضارى للغة العربية فى المستقبل المنظور فضلا عن البعيد؛ فاللسان العربى هو اللغة القومية لحوالى 300 مليون، وهو يمثل إلى جانب ذلك مرجعية اعتبارية لأكثر من مليار مسلم غير عربى  كلهم يتوقون إلى اكتساب اللغة العربية، فإن لم يتقنوها لأنها ليست لغتهم القومية فإنهم فى أضعف الإيمان يناصرونها ويحتمون بنموذجها.

2. ولكن العربية تخيف أيضًا بشىء آخر هو ألصق بالحقيقة العلمية القاطعة، وأعلق بمعطيات المعرفة اللسانية الحديثة، فلأول مرة فى تاريخ البشرية- على ما نعلمه من التاريخ الموثوق به- يُكْتب للسان طبيعى أن يعمر حوالى سبعة عشر قرنًا محتفظًا بمنظومته الصوتية والصرفية والنحوية فيطوعها جميعًا ليواكب التطور الحتمى فى الدلالات دون أن يتزعزع النظام الثلاثى من داخله.

3. أن اللسان العربى حامل تراث، وناقل معرفة، وشاهد حىٌّ على الجذور التى استلهم منها الغرب نهضته الحديثة فى كل العلوم النظرية والطبية والفلسفية.

لكن كل هذه الآمال مرهونة ببعث جديد للإنسان العربى نحو الحضارة والتقدم.

ولما كانت العولمة تسعى إلى أمركة كل شىء، ولما كان خطاب هنتنجتون يشير ضمنًا إلى تعاظم خطر العربية، فإنه كان طبيعيًّا أن يتواطأ الخطاب الثقافى والسياسى الأمريكى مع أداته الإعلامية ليخلق صورة مفتعلة من الصراع بين الحضارة الغربية والإسلام. وتبرز أمثلة هذا التواطؤ فى دلالة كلمة"الإرهاب" التى جعلها الغرب معبرة عن المسلمين والإسلام، وحدد دلالتها بأنها الاعتداء على المدنيين الآمنين، فى حين أن دلالة الإرهاب فى السياق الإسلامى تعنى أن يكون للمسلمين قوة ردع تمنع المعتدى من العدوان على المسلمين، وهذا واضح من سياق الآية: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)} الأنفال.

إن العربية تشهد الآن ما يمكن أن نسمِّيه "نزيفًا لغويًّا" فى ظل خطاب العولمة، بكل ما يملكه ذلك الخطاب من نفوذ سياسى واقتصادىٍّ تدعمه آلة إعلام جبَّارة، من الفضائيات والهواتف المحمولة والإنترنت... إلخ، حيث تمارس تلك الآلة عملية غسل للأدمغة، بطريقة منتظمة، ومنهجيَّة محكمة، بحيث لا تظهر فى الصورة تلك القوى المهيمنة، بل لا يُشار إليها، وكأنَّها قابعة فى بُعْدٍ غير منظور من العالم، تخطِّط للأحداث وتُدير الأمور من خلال آلة للتحكم عن بعد!

بينما نحن ماضون فى ترديدنا الببغائى لكلمات وتعبيرات ذلك الخطاب المعولم وكأنَّنا فى حالة غياب عن الوعى وفقدان للذاكرة والهوية، ولا عزاء للعرب والعربية!!

 الهوامش:

(1)  المستقبل ـ العدد 3232 ـ رأى وفكر، ص19.

(2) اللغة والهوية (قومية إثنية دينية)/ جون جوزيف، ترجمة عبد النور خراقى.- الكويت: (سلسلة عالم المعرفة، أغسطس 2007، ع 342)، ص 398.

(3)  الوكالة الفرانكوفونية بالإنترنت WWW.Francophonie.Org.Com

(4)  العولمة اللغوية، وليد العناتي، مجلة البصائر، جامعة بترا: الأردن (ع2، م6)، 2004م.

(5) صدام الحضارات/ صمويل هنتجتون، ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة، محمود محمد خلف.- ليبيا: الدار الجماهيرية للنشر، 1998م، ص 98: 106.   

(6)  العولمة والعولمة المضادة/ عبد السلام المسدي.- القاهرة: مطابع لوتس، 1999م، ص 390.

 

does naltrexone stop withdrawals williamgonzalez.me naltrexone prescribing information
naltrexone headache naltrexone drug naltrexone wikipedia
malonetta gravid malonetta dosis malonetta gravid
malonetta gravid malonetta 40 malonetta gravid


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©