اسم المقالة: الإسلام والفنون
المؤلف: د. محمد داود

الإسلام والفنون

                                                                                                                                                                                                                                          ا.د . محمد داود

·       ماذانقصد بالفَنّ ؟

الفن نشاط بشرى عَرَفه الإنسان ومارسه من أقدم العصور، تشهد بذلك الأوانىوالأدوات والمبانى والنقوش الأثرية فى كل مكان من العالم، حيث نجد فى هذه الأدواتوتلك النقوش نزعة جمالية واضحة، والمراد بالنزعة الجمالية هنا: ما زاد على حدِّالأنتفاع العملىِّ المباشر، فالطبق – مثلاً – سيؤدى دوره فى كونه وعاءً للطعامسواء أكان مستديرًا أو مربعًا أو غير ذك، وسواءٌ أكان مُزدانًا بالنقوش والزخرفةأو غير ذلك، فهذه الزيادات على المنفعة المباشرة هى ما نسمِّيه بالنزعة الجمالية،وهى أساس كل إبداع فَنِّى ([1]).

إن كل إنسان يتأمل ما فى الكون من جمال وتناسق وإبداع يُداخله الإحساسبالجمال، وقد يكتفى بتأمل هذا الجمال والاستمتاع به، وقد لا يكتفى بذلك، فينحو إلىمحاكاة ما فى الطبيعة من روعة واتَّساق، فيصوِّر زهرةً، أو ينقش على الجدران صورًاللحيوان والنبات، أو يتغنَّى بحُبِّ هذا الجمال. وحين يفعل الإنسان ذلك فهو يمارسالإبداع الفَنِّى .

·       فماذا عن الإبداع الفنى من المنظور الإسلامى ؟

قال الله تعالى: )أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاتُرْجَعُونَ( المؤمنون/115.

إنما خلق الله الإنسان ليكون خليفة له فى الأرض: ) َوإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌفِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ( البقرة / 30 ، ثم أمد الله خليفته بإمكانات لم يؤتهاأحدًا من خلقه، آتاه العلم: ) وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ( البقرة / 31 ، ثم أسجد له الملائكة رمزاً للتكريموالتشريف : ) وَإِذْقُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىوَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( البقرة/ 34 ، ثم منَّ الله على الإنسان بنِعَمٍ لاتحصى:  العقل،الإرادة، والقدرة العضلية،والمخيلة؛ لأن الإنسان كائن له طبيعة خاصة، وقدرات خاصة تناسب رسالته وكرامته عندالله؛ جاء الإنسان ليضيف إلى

الحياة بما أوتى من الإرادة الحرة والقدرات الخلاقة أبعادًا جديدة .. أىليبدع . والإبداع يتخذ مظاهر كثيرة: الإبداع الفكرى، والإبداع العلمى، والإبداعالفنى.

ولا أحد يستطيع أن ينكر أثر الإسلام فى الأمة العربية حيث أعطاها انطلاقاتكبيرة، وأمدها بطاقات جبارة .. فلأول مرة فى تاريخ العرب يكون لهم دولة واحدةونظام سياسى واضح الملامح، هذه الدولة التى امتدت بالفتوحات الإسلامية لتصبح دولةمترامية الأطراف وحضارة متميزة عن كل ما سبقها ولحقها من حضارات .. لقد أطلقالإسلام كل قوى الإبداع التى كانت معطلة أو مخبوءة تحت ستار من الخرافات والضلالاتوالجهل والتشرذم والبدائية .. جاء الإسلام منهاجًا لحياة الإنسان الاجتماعيةوالسياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية، فدبَّت الروح فى الملكات الإبداعيةعند الناس، فانطلقوا فى فجاج الأرض يبنون حضارة الإسلام العملاقة .. انطلقوايزرعون ويصنعون ويبدعون فى كل مجالات الإبداع؛ متمثلين قول الله تعالى:

) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّاللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( العنكبوت /20.

·      الإسلام يثير فى النفس الإحساس بالجمال:

فى القرآن الكريم دعوة الى التأمُّل فى روعة المخلوقات وما بينها من تناسق،وما تبعثه من بهجة فى النفوس وما تثيره فى القلوب من شوق الى التَّسَامى والارتفاععن عالم المادَّة والواقع المادِىِّ، والبحث فى أعماق هذا الوجود عن المعنىوالغاية، يقول الله جل جلاله: ) أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَاوَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَارَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (  ق/ 6  -7 .

فخلق السماوات والأرض فيه جانبان : جانب نفعى مباشر هو المعبَّر عنهبالبناء والمدِّ، وجانب جمالى إبداعىٌّ هو المعبَّر عنه بالتزيين والبهجة .

وحين يذكر القرآن ما خلق الله للناس وما أنزل لهم من الخير، يذكر هذامقارَنًا بما فيه من زينة وجمال وبهجة، فالمطر رزق، ولكنَّ فيه أيضًا جانبًاجماليًّا، قال عزَّ من قائل :  )وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِجَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ( ق / 9 -10 .

حب الحصيد رزق وطعام، والجنات بهجة للعين والقلب، كما عَّبر القرآن فى موضعآخر: ) فَأَنبَتْنَابِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ (  النمل /60 .

والنخل ليست مجرد أشجار تحمل الثمر، بل يصفها القرآن الكريم بوصف زائد علىهذه المنافع المباشرة، وهو كونها : ) بَاسِقَاتٍ (  أى طوال شاهقات، وهذهإشارة إلى التلاقى بين السماء والأرض، والتناغم بين المخلوقات، تؤكده الإشارةالأخرى فى قول الله تعالى:

) ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍأَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ( إبراهيم /24 .

ووصف طلع النخل بالنضيد فيه بعث للتأمُّل فى بديع صنع الله عز وجل، بما فيهمن نظام وتناسق عجيب .

  وقد تكرر وصف الله سبحانه وتعالى بالبديع:

 )بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (البقرة/117

وفى ذكرما مَنَّ الله به على الإنسان من نِعَم وخيرات تأتى الإشارة إلىالجمال الكائن فى تلك النعم، من ذلك قول الله تبارك وتعالى :

 ) وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَاتَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( النحل/5 -6 .

فبعد ذكر القيمة العملية المباشرة للأنعام، وهى الدفء والمنافع، امتَنَّالله – سبحانه وتعالى – على الإنسان بما فى هذه المخلوقات من جمال، يستطيع الإنسانأن يتمثله فى حلِّه وترحاله، فى وقت راحته حيث يكون الإنسان أقدر على تأمل الجمالوالبهجة، فلذا قدم ) حِينَ تُرِيحُونَ (، ثم أيضًا فى وقت السعى والعمل يستطيع الإنسان أن يرى هذا الجمالويستمتع به على كل حال، وجاء الفعلان ) تُرِيحُونَ، تَسْرَحُونَ ( بصيغة المضارع الدالة على التكرار والتجدُّد، لأن الجمال والإحساسبه دائم متجدد .

وكذلك وصف الخيل فى قوله جلَّ وعلا: ) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ( النحل/8 .

أى خلقها تزين الأرض كما زينت النجومُ السماءَ: ) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ( الملك/5، ) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ( الصافات/ 6.

وكذلك خلق الله البحر، فيه منافع عملية وفيه جمال وزينة، قال تعالى: ) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماًطَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَمَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  (النحل/ 14.

والمال والبنون جعلهما الله زينة؛ قال سبحانه:

 ) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ( الكهف/ 46.

وأمر الله عباده أن يتزينوا، فقال عز وجل:

 ) يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ( الأعراف/ 31 .

بل إن كل ما على الأرض زينة وجمال، قال سبحانه:

) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْأَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ( الكهف/7 .

والنبى صلى الله عليه وسلم كان يحب الجمال فى كل صوره، فكان يعجبه الاسمالحسن والثوب الحسن، وكان يحب من الشراب الحلو البارد، وحين وصف الله عز وجل وصفهبقوله:  "نورُ أنَّى أراه"، وقالصلى الله عليه وسلم: " إن اللهجميل يحب الجمال ".

ومن هذه الأمارات الدَّالة على دعوة الإسلام للجمال وتنويهه بهذه القيمةالإنسانية الغالية التى تشيع فى المجتمعات الإنسانية الذائقة الفنية الرهيفة، حرصالمشرع الإسلامى على لفت الأنظار إلى ارتداء أبدع الثياب وأجملها خصوصًا فىالمناسبات ذات الصبغة الاجتماعية كما فى الأعياد. وقد ثبت فى الحديث أن النبى صلىالله عليه وسلم كان يرتدى فى الأعياد "بُرْد حبْرة"؛ وهى نمط أنيق منالثياب التى تصنع فى (اليمن)، وتتسم بجمال الشكل وروعة المنظر. ولا أدل على تنويهالإسلام (بفنون القول)، وهى نمط متميز من الفنون، من قول النبى صلى الله عليه وسلم: "إنّ من البيان لسحرًا" .

·       القرآن الكريم  قمـــة الإبــداع الفَـنِّّى:

وإن كتاب الله العظيم هو فى ذاته مظهر من مظاهر الجمال الإلهى، جمال فىاللفظ، وفى المعنى، وفى التصوير، وفى التناسق الموسيقى الرائع، ويكفى أن نتأملالجمال فى واحدة من آيات الذكر الحكيم لندرك عمق الحِسِّ الجمالى وروعة الإبداعالبيانى الذى لا يضاهيه إبداع ولا يدانيه جمال، تأمَّلْ معى وصف الله عز وجل لذاتهسبحانه: )اللَّهُنُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌالْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُمِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُزَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِياللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِوَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( النور/ 35.

حقيقة النور : الإشراق والضياء، وهو فى هذه الآية يشتمل على معانٍ عديدة،منها: الهداية، والكشف، فالنور هو الظاهر الذى به كل ظهور، واسم الله جل وعلا(النور) دالٌّ على التنزُّه عن العدم، وعلى إخراج الأشياء كلها من ظلمة العدم إلىظهور الوجود، وهو اسم يستلزم معنى الإظهار والتبيين فى الخلق والإرشاد والتشريعوالإلهام.

ثم تأمل هذا التمثيل الرمزى البديع لنور الله جل وعلا: بالمصباح الموضوع فىزجاجة شفافة، كأنها كوكب درىٌّ فى الصفاء والإشراق ... وهذا الكوكب يستمد نوره من ) شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ ( النور/35، لكن هذه الزيتونة ليست كما نعهد، بل هىزيتونة ) لا شَرْقِيَّةٍوَلا غَرْبِيَّةٍ ( ، تكاد تضىء وإن لم تمسها النار .. ثم تأمل هذا الختام الرائع: ) نُّورٌ عَلَى نُورٍ ( حيث بلغت هذه النورانية قمة الصفاء والإشراق.

وتظاهرت على ذلك المشكاة والمصباح والزجاج الخالص والزيت الصافى .. إنه نورمكرَّر مضاعف محفوف بكل أسباب قوة الإشعاع والانتشار فى الجهة المضاءة به، وبكلأسباب اليقين والحفظ والتبصُّر والدوام .

والقرآن يوجِّه النفس إلى جمال السماء، وإلى جمال الكون كله؛ لأن إدراكجمال الوجود هو أقرب وأصدق وسيلة لإدراك جمال خالق الوجود. وهذا الإدراك هو الذىيرفع الإنسان إلى أعلى أفقٍ يمكن أن يبلغه؛ لأنه حينئذٍ يصل إلى النقطة التى يتهيأفيها للحياة الخالدة، فى عالمٍ طليق جميل، برىء من شوائب العالم الأرضى والحياةالأرضية .. وإن أسعد لحظات القلب البشرى هى اللحظات التى يَتَقَّبل فيها جمالالإبداع الإلهى فى الكون؛ ذلك أنها هى اللحظات التى تهيِّئه وتمدُّ له ليتصلبالجمال الإلهى ذاته ويتملاَّه([2]).

وإذا كان الإسلام  يحتفى بالجمالوالزينة والإبداع البيانى، فكيف يُظَنَُ به أنه دين يعارض الفن والإبداع ؟

إن الدين والفن من مشكاة واحدة؛ لأن الدين يبحث عن الحق، والفن يبحث عنالجمال، والله عزو جل هو الحق، وهو جميل يحب الجمال، وليس ثمة خصومة ولا تعارض بينالإسلام والجمال أو الإبداع الفنى، وإن هذه النظرة التى ترى تعارضًا بين الإسلاموالإبداع تعود إلى الجهل الفاحش والإعراض عمَّا فى كتاب الله المقروء (القرآنالعظيم)  وكتاب الله المنظور (الكون) من آياتالزينة والبهجة والجمال والروعة والتناسق البديع، وإلى ضيق الأفق والقصور عن إدراكما فطر الله الإنسان عليه من تعدُّد الجوانب، وعمق الإحساس والشعور، والنزعةالجمالية الكامنة فى روح الإنسان .

·       المنهج الإسلامى فى الإبداع الفنى (ضوابط لا قيود):

هذه النزعة الجمالية لا مصادرة عليها فى الإسلام، بل إن الإسلام قد حثَّعلى إعمالها، بدعوته إلى التفكُّر فى آيات الله عزوجل، وجميل صنعه وبديع خلقهسبحانه وتعالى.

 والإسلام منهج إلهى يدعو إلىالارتقاء بالإنسان وبالحياة من حوله، والإبداع الإنسانى هو الوسيلة إلى هذاالارتقاء، لذلك فهو يدعونا، بل يفرض علينا أن نتدير ونتأمل فى الكون وآيات اللهفيه، لنستطيع أن نتجاوز الواقع ونطوِّره فنعرف الله حق المعرفة ونعبده حق العبادة.

وحرية الإبداع الإنسان فى الإسلام مكفولة بلا شرط أو قيد، إلا أن يكون هذاالإبداع لصالح الإنسانى وخطوة من خطوات رقيه وتطوره .. لهذا أبدع الإنسان المسلمعلومًا وفنونًا وفلسفات، ولم يبدع أسلحة تدمير , ولم تقدم الحضارة الإسلامية ماقدَّمته الحضارات الأخرى من ألوان المتع الرخيصة التى تهبط بالإنسان، من مسكراتومخدرات وجنس، وكل ألوان المغيبات وغيرها مما يعطل مسيرة الإنسان نحو التطوروالارتقاء، بل قدمت لنا الحضارة الإسلامية إبداعًا خلاًّقًا نافعًا من علوممزدهرة، وفكر راقٍ، وفن بديع .

والنصوص التى تدعونا إلى التفكير والتأمل كثيرة وافرة فى القرآن والسنة،نذكر منها الآيات :

) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ( العنكبوت / 20 .

) كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ  ( البقرة /219 .

) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ ( الروم / 8 .

) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَجُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ( آل عمران / 191 .

·       لكنهناك ضوابط ينبغى مراعاتها فى إطار الإبداع الفَنَِّىِّ؛ حتى لا يتحوَّل الفن منداعية للجمال والسموِّ إلى داعية للانحطاط والقبح، بل يكون إبداعًا رفيعًا بحقٍّيُعَبِّر عن الإنسان بما فيه من روحانية ومادَّية، بلحظات قُوَّتِهِ ولحظات ضعفه،اللحظات التى يلتصق فيها بطين الأرض، واللحظات التى يشرق فيها بنور الله ([3]) .

وذلك حتى لا يكون الفنُّ تزويرًا للحقائق، وتشويهًا للجمال، بل إبرازًالهذا وذاك، وانتصارًا للقيم والمثل والجمال.

إن الإبداع الفنى فى الإسلام محاطُ بضوابط لا بقيود، فلا قيد على الجمالوالإحساس، والتعبير عن الجمال، ولكن هناك ضوابط للتعبير والإبداع:

·       أول هذه ا لضوابط: الصدق، وكل المذاهب الفنية تقرُّ بضرورة الصدقالفنِّى، وإلاَّ كان فنًّا خاليًا من القيمة .

·       وثانى هذه الضوابط : ألاَّ يتعارض مع العقيدة،فالعقيدة حقيقة عميقة فى كيان الإنسان والكون بأسره، كل شىءٍ يسبح لله: ) سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ( الحديد/1، )وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَتَسْبِيحَهُمْ( الإسراء/44... لا تفقهون تسبيحهم إذا حكمتم بظاهر الأشياء، بما تدركه الحواس، فعندئذسيبدو الكون صامتًا لا يسَبِّح، جامدًا لا يحس، ميتًا لا حياة فيه ... ولكن الروحالواصلة تفقه تسبيح كل شىء، لأنها تتصل بالله وتتطلع إلى حماه، فتلتقى بشقيقاتهامن الأرواح المبثوثة فى الكون، والعقيدة غذاء هذه الروح، وهى التى تصل بين الإنسانوالكون والحياة بِصِلاتٍ من التعاطف والمودة والقربى، وتوجِّه طاقات الإنسانالمتنافرة فى طريق واحد ذى غاية واحدة عظمى ([4]).

ويعنى هذا المنطوق أنَّ الإبداع الفنى من أدب مقروء أو مسموع أو مرئىيتعيَّن فى التصور الاستراتيجى الكبير أن يكون ضميمة للدَّعوة أو رافدًا منروافدها وسندًا صلبًا من أسانيدها وركنًا قويًا من أركان العقيدة ذاتها فيكونالفنَّ فى جوهره ماءً يطفئ نيران الإلحاد والعبثية والتعّطيل والفكر المسموم الذىيشيع فى كثير من التيارات والمذاهب الأدبية والفنية التى تحكم عالم اليوم، وتكونالآداب صوتًا واعيًا يصون منظومة القيم الأخلاقية ويقوم على سدانتها وحراستها.إنَّ قسمًا من خصومنا يستعين على إحداث الاختراقات فى صفوفنا بالنخبة فاقدة الولاءالتى تعيش بين أظهرنا وتضحى من خلال ما تكتب أو تذيع حربًا على الإسلام، عقيدة وفكرًاورموزًا. والنموذج الفجّ الذى يجسِّد هذه النخبة كويتبة مثل "تسليمةنسرين" التى قدَّمت للرأى العام أربعًا وعشرين رواية فى "بنجلاديش"تنطق بالهجوم على الإسلام وتحمل على عقائده وتسخر من شرائعه بقسوة فلا عجب أناحضنتها مؤسسات غربية ناقمة على الإسلام والواجب أن يتصدر المشهد "فريقمناقض" يدافع عن الإسلام بالفنون الهادفة، ويصون أركان العقيدة بالأدب الجاد،ويستبقى وحدة الأمة وتماسك الأسرة بالفيلم السينمائى الرفيع ذى الرسالة والغاية .

·       وثالث هذه الضوابط: الالتزام الخُلُقى؛ فالفن فى الإسلام ليسداعية للقبح والفحش والرذيلة، بل داعية للحق والخير والجمال والفضيلة، وإلى تهذيبالمشاعر والغرائز، فليس فى الإسلام ( فنٌّ للفن ) إنَّما الفن وسيلة للرقىوالتهذيب والتسامى، ويمكن صياغة قضية الالتزام الفنى من المنظور الإسلامى فىالسؤال التالى:

- هل من الواجب أن يخضع الفن للغرائز،أم من الواجب أن نوجهه إلى الفضيلة؟ ([5])

الإسلام لا يتردَّد فى الإجابة عن هذا السؤال، وهى ضرورة خضوع الغرائزللقيم والفضائل، فحين يتناول الفن – بالمنظور الإسلامى – غرائز الإنسان وشهواته،لا يقف عند هذه الغرائز بوصفها الحقيقة الوحيدة فى الحياة، ولا باعتبارها منقطعةعن حقائق الحياة، فمثلاً التعبير عن الجنس – إذا تمَّ من خلال الضوابط التى وضعهاالإسلام للإبداع الفنى – يكون بالنظر إلى العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة منخلال تحقيقها لأهداف الحياة العليا، من خلال رفعها للرجل والمرأة كليهما إلى مستوىالإنسانية، من خلال حَثِّهِا كُلاًّ من الرجلًّ والمرأة على إبراز أجمل ما عندهوأرفع ما عنده، من خلال توسيع دائرة الشوق الجنسىِّ حتى يشمل الأشواق العلياالمتصلة بصميم الكون وفطرة الحياة، والتى لا تقف عند اللحظة العابرة واللقاءالعارض، بل تمتد حتى تشمل الحياة كلِّها، ونظام الحياة المستمد من الحقيقة الكبرىالمسيطرة على كل شىء فى هذه الحياة . وقد يعالجها كذلك من زاوية الهبوط والضعف،حين تصبح هى شاغل الحياة، ومَزْلقًا بؤدِّى إلى الهبوط عن آفاق الحياة العليا، حينتصْرِف الإنسان عن الاشتغال بالمشكلة الكبرى، مشكلة الصراع مع الشر فى جميع صورهوأشكاله، مشكلة تحقيق الغاية العليا من وجود الإنسان وخلافته فى الأرض  ([6]) .

وإن كل فنان صادق لا يسعه إلاَّ أن يستجيب لحاجات مجتمعه، ذلك لأن "الفن نفسه جزء من الواقع الاجتماعى، فالمجتمع يحتاج إلى الفنان، ومن حقه أن يطالبهبأن يكون واعيًا بوظيفته، ولم يكن هناك من تشكُّكٍ فى هذا الحقِّ فى أى مجتمعناهض، على العكس من المجتمعات المضمحلَّة " ([7]).

بل يذهب بعض النقاد إلى وجود علاقة وثيقة لا تنفصم بين الفن من ناحية،والدين والقيم الاجتماعية من ناحية أخرى، يقول هربرت ريد :

" إن على الفنان لكى يصل إلى العظمة أن يخاطب مشاعر الجماعة، ومهمايكن فإن أسمى صور المشاعر الإنسانية حتى وقتنا الحاضر هى المشاعر الدينية" ([8]).

وفيما يلى تفصيل مُبَسَّط لأشكال الإبداع الفنِّى من منظور إسلامىِّ :

أولاً – الشعر والأدب :

كان للعرب قبل الإسلام فن واحد هو الشعر، وبعد الإسلام تطور الفن العربىالقديم، ونشأت أنواع فنية جديدة: برز دور الخطابة والكتابة النثرية، فكان الجاحظوأدابه نموذجًا للكاتب الموسوعى، حتى تجاوزت مؤلفات الجاحظ ثلاثمائة كتاب ما بينبحث علمى، طبيعى، وعلوم إنسانية كالنقد والتاريخ، ورسالة فنية كالرسائل المعروفةباسم رسائل الجاحظ .

كما تطور الشعر العربى بعد الإسلام حتى وصل هذا التطور إلى قمته عند أبىالطيب المتنبى وأبى تمام وأبى العلاء المعرى، وظهرت مذاهب فنية جديدة وتيارات فنيةكاملة.

ولم يكن الشعر - بوصفه الفن العربى الأول والأهم- ترفًا فى حياة الناس، بلكان جزءًا لا يتجزأ من حياتهم .. وقد تطور الشعر العربى قلبًا وقالبًا أو شكلاًوموضوعًا بعد الإسلام .. تطورت الأفكار والمعانى وخرجت القصيدة العربية من جدبالصحراء إلى ازدهار الحياة فى ظل الحضارة، وحسبنا أن نلقى نظرة على الشعر العربىفى الأندلس الإسلامية لندرك القفزة الكبيرة التى انتقلت بالشعر من جو البادية إلىأجواء الحضارة، من الخيال الساذج إِلى الخيال المحلِّق الممتزج بالفكر العميقوالرؤية الواضحة.

وليس الشعر وحده هو الذى تطور بعد الإسلام، بل تطورت الخطابة أيضًا، فظهرتالخطابة السياسية والتعليمية، ولم تكن الخطبة قبل الإِسلام أكثر من جمل مسجوعةمتوازنة، والأفكار التى تحملها لم تكن أكثر من نعرات قبلية بدائية، فصار لها فىالإِسلام موضوعات جديدة اجتماعية ودينية وسياسية، واهتمامات وأفكار جديدة،والأمثلة كثيرة .. خذ مثلاً خُطَب الخلفاء الراشدين وبخاصة الإِمام على، وخطبمعاوية، وواصل بن عطاء، والحجاج بن يوسف الثقفى، وغيرهم من كبار الخطباء.

كما ظهرت فنون جديدة على العربية، مثل فن الرسالة كرسائل الجاحظ، وفنالمقامة، كمقامات بديع الزمان الهمذانى والحريرى، وهناك القصة الفلسفية مثل"حى بن يقظان" التى كتبها الفيلسوف المسلم ابن طفيل ، وهناك أدب الرحلات الذىكان علمًا وأدبًا فى آن واحد، وتمثله كتابات المسعودى وابن بطوطة وغيرهما منالرحالة المسلمين .

كل هذا يدل على حقيقة أن الإِسلام أطلق الملكات من عِقالها، وفتح الأبوابكلها أمام الإِبداع والمبدعين فى كل نواحى الحياة الإِنسانية .. فنشطت العقول،وانطلقت القدرات الابتكارية لتبدع وتضيف وتبتكر وتصوغ فكرًا جديدًا وقيمًا جديدةوحضارة جديدة . 

وما يقال عن الشعر والقصة والخطبة يقال فى سائر فنون الأدب كالمسرح وفنونالدراما؛ إن الشكل الأدبى ليس مشكلة، بل المشكلة فى المضمون، ما الذى يقوله هذاالشكل أو ذاك، هل يدعو إلى الرقىِّ والسموِّ، أم يدعو إلى الهبوط والانحلال وإطلاقالغزائز الشهوانية؟!

·       ثانيًا-الغناء والموسيقى :

ورد فى الشرع  وعيد شديدُ لمن يتخذالفن مطيَّةً للضلال والكفر، قال عز من قائل:

 ) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنسَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌمُّهِينٌ ( لقمان/6.

فقد صح عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم أن ) لَهْوَ الْحَدِيثِ(  فىالآية هو الغناء، وأقسَم ابن مسعود على ذلك فقال : هو – واللهِ -الغناء. ذكر ذلكابن القيم وغيره، وذكر الواحدىٌّ أن أكثر المفسِّرين على أن المراد بلهو الحديث:الغناء، وهو قول مجاهد وعكرمة .

وقد أورد الدكتور يوسف القرضاوى أدِلَّة من يقولون بتحريم الغناء ورَدَّعليها، ومن ذلك استدلالهم بالآية المذكورة، وجاء رد الدكتور القرضاوى مفصلاً علىالنحو التالى([9]):

لنا مع هذا الاستدلال وقفات :

الأولى: أن هذا ليس هو التفسير الوحيد للآية، فقدفسره بعضهم بأن المراد به : أخبار وقصص الأعاجم وملوكهم، ونحو ذلك مما كان النضربن الحارث -أحد مشركى قريش العتاة -يحث به أهل مكة، يشغلهم به عن القرآن، وقد ذكرذلك ابن القيم نفسه.

الثانية: أننا لا نسَلِّم أن تفسير الصحابى فى حكمالمرفوع، إِلا فيما كان من سبب نزول ونحوه، بل هو -فى الغالب -فَهْمٌ له فىالقرآن، كثيرًا ما يعارضه غيره من الصحابة، ولو كان كله مرفوعا ما تعارض ولااختلف.

الثالثة: أننا لو سلمنا بصحة هذا التفسير، وأنه فىحكم المرفوع، بل لو كان مرفوعًا فعلاً، لم يكن حجة فى موضع النزاع هنا؛ فالآيةلا تذم مجرد من يشتغل بالغناء، أو الحديث، بل تذم وتتوعد بالعذاب المهين من يشتريه ليضل به عن سبيل الله، ويتخذها هزوًا. وهذا غير ما نحن فيه.

·       كلمة لابن حزم:

وما أبلغ ما قاله هنا أبو محمد بن حزم فى الرد على من احتج بقول ابن مسعودأو غيره، قال ابن حزم: ولا حجة فى هذا لوجوه:

أحدها: أنه لا حُجَّة لأحد دون رسول الله  صلى الله عليه وسلم.

الثانى: أنه قد خالف غيره من الصحابة والتابعين.

والثالث: أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها، لأن فيها: ) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنسَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً (، وهذه صفة مَنْ فعلها كان كافرًا بلا خلاف، إِذا اتخذ سبيل اللههزوًا. ولو أن امرءًا اشترى مصحفًا ليضل به عن سبيل الله ويتخذه هزوًا، لكانكافرًا! فهذا هو الذى ذم الله تعالى، وما ذم قط -عز وجل-من اشترى لهو الحديث ليتلهَّى به ويرِّوح نفسه لا ليضل عن سبيلالله تعالى. فبطل تعلقهم بقول هؤلاء، وكذلك من اشتغل عامدًا عن الصلاة بقراءة القرآن،أو بقراءة السنن، أو بحديث يتحدَّث به، أو بغناء، أو بغير ذلك، فهو فاسقٌ عاصٍ للهتعالى، ومن لم يُضِعْ شيئًا من الفرائض اشتغالاً بما ذكرنا فهو محسن.  ([10])

·       الغزالى يؤيد ابن حزم:

 وما قاله الإِمام ابن حزم أكَّدهالإِمام أبو حامد الغزالى، فقال تعقيبا على من احتج بالآية على تحريم الغناء:

 وأما شراء ( لهو الحديث ) بالدينواستبدالاً به، ليضل به عن سبيل الله، فهو حرام مذموم، وليس النزاع فيه، وليس كلغناء بدلاً عن الدين مشترًى به، ومضلاًّ عن سبيل الله تعالى، وهو المراد فى الآية.ولو قرأ القرآن ليضل به عن سبيل الله لكان حرامًا.

وأيد الغزالى هذا بما حكى عن بعض المنافقين: أنه كان يؤمُّ الناس ولا يقرأإِلا سورة (عبس) لما فيها من العتاب مع رسول صلى الله عليه وسلم فهمَّ عمر بقتله ورأى فعله حرامًا، لما فيه منالإِضلال. فالإِضلال، بالشعر والغناء أولى بالتحريم ([11]).

دلالة الوعيد الشديد فى الآية ومما يؤكد ما ذكره ابن حزم والغزالى: أنالآية تضمنت وعيدًا شديدًا على هذا الفعل؛ مما يدل على أنه ليس مجرد لهو وترويح،كما أن الآية التالية للآية المحتج بها، تضمنت زيادةَ بيانٍ لأوصافِ هذا الصنف منالناس الذى عنته الآية، إِذ قال تعالى بعدها: ) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْيَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( لقمان/7 .

وهذا لا يوصف به مسلم يعتقد أن القرآن كلام الله الذى لا يأتيه الباطل منبين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

ولهذا نجد الإِمام ابن القيم -وهو من أشد القائلين بتحريم الغناء-يعترف بأنالآيات تضمنت من استبدل لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذهاهزوًا، وإِذا يُتْلَى عليه القرآن ولى مستكبرًا كأن لم يسمعه، كأن فى أنيه وقرًا، وهو الثقل والصمم وإِذا علم منه شيئًااستهزأ به، فمجموع هذا لا يقع إِلا من أعظم الناس كفرًا ([12])..

ومن هنا نرى أن تطبيق الآيتين الكريمتين - بما تضمنتا من أوصاف، ومااشتملتا عليه من وعيد شديد على مجرد من أشتغل بالغناء وترويحًا للنفس مع الالتزامبآداب الإسلام، فى غاية البعد، لمن انصف وتدبَّر القرآن.

يؤيد هذا ما نقله الإِمام ابن جرير الطبرى فى تفسيره من طريق ابن وهب قال: قال ابن زيد فى قوله تعالى: ) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنسَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌمُّهِينٌ ( لقمان/6.

قال: هؤلاء أهل الكفر، ألا ترى إِلى قوله تعالى: ) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْيَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً ( .

قال: وناس يقولون: هى فيكم ( أى المسلمين ). وليس كذلك. قال: وهو ( أى لهوالحديث) الحديث الباطل الذى يلغون فيه ([13]).

وقال الإِمام ابن عطية: والذى يترجح أن الآية نزلت فى لهو حديث مضاف إِلىالكفر، فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله: ) لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً( وبالتوعدبالعذاب المهين ([14]).

وهذا هو ما رجَّحه الإِمام فخر الدينِ الرازى فى تفسيره، ولم يذكر غيره، فبعد أن ذكر الآية الكريمة قال:  لَمَّا بَيَّنَ أن القرآن كتاب حكيم يشتمل علىآيات حكيمة، بَيَّن من حال الكفار أنهم يتركون ذلك ويشتغلون بغيره، ثم إِن فيه مايبيين سوء صنيعهم من وجوه:

الأول: أن ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح.

الثانى: هو أن الحديث إِذا كان لهوا لا فائدة فيهكان أقبح.

الثالث: هو أن اللهو قد يقصد به الإِحماض أى الترويحكما ينقل عن ابن عباس أنه قال: أحمضوا. ونقل عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:" رَوَّحوا القلوب ساعة فساعة " رواه الديلمى عن أنس مرفوعًا، ويشهد لهما فى مسلم: " ياحنظل ساعة وساعة "

 فلما لم يكن قصدهم إِلا الإِضلاللقوله ) لِيُضِلَّعَن سَبِيلِ اللَّهِ (  كان فعلهم أدخل فى القبح.

ثم قال تعالى: ) بِغَيْرِ عِلْمٍ ( وهو عائد إِلى الشراء أى يشترى بغير علم ) وَيَتَّخِذَهَا ( أى يتخذ السبيل ) هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ( قوله ) مُّهِينٌ ( إِشارة إِلى أمر يفهم منه الداوم, وذلك لأن الملك إِذا أمر بتعذيبعبدٍ من عبيده، فالجلاَّد إِن علم أنه ممن يعود إِلى خدمة الملك ولا يتركه الملكفى الحبس يكرمه، ويخفف من تعذيبه، وإِن علم أنه لا يعود إِلى ما كان عليه، وأمرهقد انقضى، فإِنه لا يكرمه، فقوله:

 ) عَذَابٌ مُّهِينٌ ( إِشارة إِلى هذا، وبه يفرق بين عذاب المؤمن وعذاب الكافر، فإِنعذاب المؤمن ليطهر، فهو غير مهين ([15]).

وخلصالدكتور القرضاوى بعد عرض الحجج التى استند إليها القائلون بتحريم الغناء إلى أنهلا توجد فى القرآن الكريم آية واحدة تنهض للاحتجاج بها على تحريم     الغناء ([16])،وأن الأحاديث التى استدلَّ بها القائلون بالتحريم: إمَّا صحيح غير صريح (أى غيرصريح فى إثبات التحريم)، أو غير صحيح ولا صريح، ولم يَسْلَم منها حديث صريح واحدٌمرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح دليلاً للتحريم.

قال القاضى أبو بكر بن العربى فى كتابه (أحكام القرآن): لم يصح فى التحريم شىء ([17]) .

وكذا قال الغزالى فى (الإحياء) ([18])وابن النحوى فى العمدة ([19]) .

وقال ابن طاهر فى كتابه (السماع): لميصح منها حرف واحد ([20]).

وقال ابن حزم فى (المحلى): ولا يصح فى هذا البابشىء، وكل ما فيه فموضوع . ووالله لو أسند جميعه،أو واحد منه فأكثر من طريق الثقاتإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ترددنا فى الأخذ به ([21]).


وغير ذلك من الأدلة التى ساقها الدكتور القرضاوى للاستدلال على إباحةالغناء والموسيقى ([22]).

وإلى مثل هذا ذهب كثير من فقهاء الإسلام ومفكّريه، ومن هؤلاء الدكتور محمدعمارة فى كتابه "الإسلام والفنون الجميلة"، وفيه يقدم الدكتور عمارةنظرة فاحصة حول هذا الموضوع تدور حول ثلاثة محاور:

·       المحورالأول: وقائع حدثت فى عصر البعثة، وفى بيت النبوة والمسجدالنبوى، وبيوت الصحابة، وهى شواهد مادية من السنة العملية على إباحة الغناء، ومنذلك:

-ما رواه الشيخان عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: "دخل رسولالله صلى الله عليه وسلم وعندى جاريتان تغنيان بغناء يوم بعاث، فاضطجع على الفراشوحوَّل وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرنى وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله صلى اللهعليه وسلم ؟

فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "دعهما" . فلماغَفَل (أى أبو بكر) غمزتهما فخرجتا.

فهذا حديث صريح فى إباحة الغناء .

§       وعنعائشة أيضًا قالت: كان يوم عيد يلعب الحبشة بالدَّرَقِ والحِرَاب فى المسجد،فإمَّا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإمَّا قال: "تشتهينتنظرين"؟. فقلت: نعم. فأقامنى وراءهم خدِّى على خدِّه، يسترنى بثوبه وأناأنظر إلى الحبشة ينظرون، فزجرهم عمر، فقال النبى صلى الله عليه وسلم "أمْنًابَنِى أرفدة، دونَكم بنى أرفدة"، حتى إذا مللت قال:"حسْبُك؟"،  قلت: نعم . قال:"فاذهبى".

فهذه سنة عملية تقرُّ اللعب (أى التمثيل) المصحوب بالغناء والرقص

وغير ذلك كثير من الأحاديث الصريحة فى إباحة الغناء([23])،بل إن أحد هذه الأحاديث يصرِّح بأن النبى صلى الله عليه وسلم أمرهم بالغناء فى عرسقريبة للسيدة عائشة، بل وعلَّمهم أن يقولوا فى غنائُهم :


أَتَيْناكُمْ  أَتَيْناكُمْ                       

 

فَحَيُّونا  نُحَيَّيكُمْ

وَلَوْلا الذهَبُ الأَحْمَرُ

 

ما حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ

المهم هنا أن النبى صلى الله عليه وسلم هو الذى اقترح نص الأغنية.

-  وهل ننسى أن أهل المدينة استقبلوا رسول الله صلى اللهعليه وسلم ترحيبا بمقدمة بأنشودة (طلع البدر علينا) .

·       فى ديننا فسحة:

-          فىالحديث الصحيح المتفق عليه عن عائشة – رضى الله عنها – أن أبا بكر – رضى الله عنه –دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان بدُفَّين، فنهرهما أبو بكر قال له النبى صلى اللهعليه وسلم : "دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد"

وفى رواية الإمام أحمد زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ليعلماليهود أن فى ديننا فسحة، وأننى بعثت بحنيفة سمحة".

·       المحورالثانى: الأحاديث التى رُويت عن النبى صلى الله عليه وسلم فىمنع الغناء والنهى عنه، وقد فنَّدها الإمام ابن حزم الأندلسى، حيث تَتَبَّع تلكالمأثورات جميعًا، وانتهى إلى أن هذه الأحاديث جميعها معلولة ( ليست صحيحة)، بلموضوعة، ووافقه الذهبى وابن حجر العسقلانى، وهم أئمة فى علوم الحديث ونقده.

·       المحورالثالث: حول تفسير عدد من مفسِّرى القرآن الكريم للَّهو فى قولهتعالى: ) وَمِنَالنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ (، وذلك على نحو ما قدَّمنا .

ثم انتهى الدكتور عمارة إلى النتيجة الحتمية لذلك، وهى أن الغناء لا يعدوأن يكون لونًا من ألوان الجمال، ومعيار الحلِّ والحرمة فيه هو وظيفته التى يوظَّففيها، والقصد الذى يقصده الناس من ورائه، فإن أسْهَمَ فى ترقية السلوك الإنسانى،والارتقاء بعواطف الناس، وأعان على تذوُّق نعم الله فى كونه، والكشف عن آياتالجمال فى إبداعه، كان خيرًا، وإلاَّ فهو منكر بلا خلاف ([24]).

ويختم الدكتور عمارة هذا الفصل عن السماع (أى الغناء والموسيقى) بعبارةمقتبسة من الإمام أبى حامد الغزالى تقول :

"ومن لم يحرِّكه الربيع وأزهاره، والعود وأوتاره، فهو فاسد المزاج،ليس له علاج! ومن لم يحرِّكه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عنالروحانية، زائد فى غلظ الطبع وكثافته على الجِمال والطيور، بل على جميع البهائم؛فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة !! ([25])".

ومن العجيب أن تلتقى هذه النظرة لفقيه ومفكر وفليسوف مسلم عاش منذ نحوتسعمائة عام (450-505 هـ، 1058 -1111م ) مع نظرة فليسوف غَرْبىٍّ عاش فى القرنينالثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين هو الفليسوف الألمانى هيجل (1770-1831 م)، الذىيقول:

"عندما تنجح الموسيقى فى التعبير عن تلك المشاعر الروحية والأحاسيسالسامية بوسائل حسية ـ هى الأصوات والأنغام وصورها المتعددة ـ عند ذلك فقد تحتلالموسيقى مكانها كفن حقيقى، بغض النظر عمَّا إذا كان محتواها قد عُبِّر عنه بطريقةمستقلة مباشرة من خلال الألفاظ، أو إذا كان قد تحقق انفعاليًّا عن طريق موسيقىالأنغام نفسها وارتباطتها الهارمونية وإثارتها النغمية ([26]).

ثالثًا:الفنون التشكيلية :

الفنون التشكيلية تتضمن:

التصوير بأنواعه: التصوير بالريشة والفرشاة (الرسم الإبداعى)، والتصويرالفوتوغرافى، وتتضمن: النحت، والعمارة.

وكلها أشكال فنية ليست محرمة فى حد ذاتها، بل مدار الحلِّ والحرمة فيها علىالغاية التى صنعت من أجلها، والمضامين التى تحتوى عليها، فإذا كانت هذه الفنونوسائلَ للارتقاء بالحس الجمالى وتهذيب النفوس والأخلاق فهى مباحة، وإذا كانت وسائلالشرك بالله، أو عدوانًا على القيم والفضائل فهى محرمة، وكما يقول الدكتور عبدالحليم  محمود:

"إن كل ما يحدث من ذلك مخلاًّ بالآداب، مثيرًا للشهوة، منافيًاللفضيلة، فهو حرام حرمة لا شك فيها، وذلك مثل الأجسام العارية والصورالخليعة" ([27]).

أمَّا عن فن النحت، فقد عرض القرآن الكريم للحديث عن التماثيل – صراحةوبالنص- فى مواطن ثلاث:

·       وجاءحديثه عنها فى أحد هذه المواطن حديث الرافض المحرِّم .. وفى الثانى حديث العادِّلها من نعم الله على الإنسان، وفى الثالث حديث العادِّ لها معجزةً لنبى من أنبياءالله  !

·       الموطن الأول: فى سورة (الأنبياء) وبصدد الحديث عن قوم إبراهيم عليهالسلام، أولئك الذين اتخذوا التماثيل أصنامًا عبدوها من دون الله، جاء حديث القرآنمعاديًا لهذه التماثيل، ومن ثَمَّ – بالتبعية – لصناعتها عندما تستهدف هذا الشركبالله: }وَلَقَدْآتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَلِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ*قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ* قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْوَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ* قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَمِنَ اللَّاعِبِينَ* قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِالَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ{.

ولم يقف الموقف القرآنى من هذه التماثيل عند حد التسفيه بالقول والحجةوالمنطق، بل أراد الله للنبى إبراهيم عليه السلام أن يحطم هذه التماثيل ويمحو وجودهذه الأصنام.. فاستمر سياق القرآن يتحدث عن قول إبراهيم، عليه السلام، لقومه :

) َتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ*فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلا كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ( الأنبياء / 57-58 .

وما صنعه إبراهيم مع التماثيل المعبودة، هو ما صنعه خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم عندما طهر شبه الجزيرةالعربية من كل أثر لها، وأذَّن فى الناس، يومئذ، وهو يحطمه قائلاً: ) وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَزَهُوقاً { الإسراء/81.

·       أما الموطن الثانى الذى عرض فيه القرآن – باللفظ – للحديث عنالتماثيل، فكان فى معرض تعداد نعم الله سبحانه على نبيه سليمان، عليه السلام، فلقدذكر القرآن التماثيل وصنعها وصانعيها باعتبارها من نعم الله على نبيه سليمان!..فهو قد سخر له الريح.. وأتاح له عينًا تفيض بالنحاس المذاب – القِطْر – وسخر لهالجنَّ تصنع له بعضًا من زينة الحياة الدنيا وجمالها: بيوتًا عالية . (محاريب)،وحفرًا كبيرة (جفان) وقدروًا راسياتٍ .. وأيضًا تماثيل من زجاج ونحاس ورخام، تصورالأحياء، بل وتصور الأنبياء والعلماء كما يقول المفسرون!: ) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌوَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِبِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِالسَّعِيرِ* يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍكَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌمِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ( سبأ /12-13.

فالتماثيل، هنا – وعند انتقاء مظَنَّة عبادتها – هى من نعم الله علىالإنسان، وعامِلُها وصانعُها إنما يعملها (بإذن ربَه).. وعلى الذين أنعم اللهعليهم بهذه النعم مقابلتها بالشكر لله وحده، وأحد مظاهره: أكتشاف ما فيها من جمال!

·       أما الموطن الثالث، الذى ورد فيه حديث القرآن عن تماثيلالأحياء، فذلك الذى جاء فيه الحديث عن معجزات نبى الله عيسى بن مريم، عليهماالسلام)  وَيُعَلِّمُهُالْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِيإِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُلَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراًبِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِاللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْإِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( آل عمران / 48-49 . ) إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِيعَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُالنَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَوَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِبِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِيَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُطَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُالْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْبِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌمُّبِينٌ  ( المائدة/110.

فهى هنا- وحيث لا مَظِنَّة للشرك، ولاخطر على التوحيد- آية من آيات الله،ونعمة من نِعَمِهِ على عيسى عليه السلام.

إذًا فموقف القرآن الكريم من التصوير والتماثيل للأحياء ليس واحدًا، ليسعامًا، وليس مطلقًا،  فحيثما تكون سبيلاًللشرك بالله – شركًا جليَّا أو خفيًّا – فهى حرام، والواجب تحطيمها.. أما عندماتـنتـفـى مظنة عبادتها وتعظيمها والشرك بواسطتها، فهى عندئذٍ، من نعم الله التىيجب على الإنسان أن يقصد إليها، وأن يتخذ منها سبيلا لترقية حِسَّه وتجميل حياته،وتزكية القيم الطيِّبة وتخلدها .

هذا عن موقف القرآن الكريم من فنون التشكيل – والتى يقاس الرسم منهاوالتصوير على التماثيل .

وكذا الأمر فى السنة النبوية، فإن النظرة الشاملة للأحاديث النبوية التىرويت فى الصور والتماثيل تقطع بأن التحريم مرهون ومشروط ومعلل بكون هذه الصوروالتماثيل مظنة العبادة والإشراك بالله، كما أنها تفصح عن أن هذه الأحاديث التىتنهى عن الصور والتماثيل إنما كانت تعالج جماعة بشرية هى قريبة عهد بالشركوالوثنية، وحديثة عهد بالتوحيد الإسلامى، وأن توحيدها لله سبحانه قد خرج من هذهالحالة خروج الدواء بالمريض من مرحلة العلِّة إلى بدايات طريق الشفاء .. فهى قدخرجت من الوثانية وعبادة الصور والتماثيل، لكنها كانت لا تزال فى دور النقاهة،الأمر الذى استدعى تركيز الأحاديث النبوية على النهى عن اتخاذ الصور والتماثيل،سدًّا للذرائع، وتقديمًا لدفع المضرة على جلب المصلحة، وهى قاعدة تشريعية إسلامية –وذلك كَيْلاَ تعود هذه الجماعة إلى مرض الوثنية والشرك من جديد !

وإذا كان ضبط المصطلحات هو ممَّا يُعِينُ على دِقَّة الفهم وجلاء القضية،فإن من الواجب أن ننبه على أن "الصور" فى الأحاديث النبوية التى عرضت لهذه القضية إنما يراد بها "الصنموالوثن المعبود" من قِبَلِ المشركين .. فلم يكن بمكة أو المدينة، أو البوادىمن حولهما يومئذٍ، "حَركة فنية" ، تُصَوَّر بالألوان، أو بآلات التصوير.. كانت الصورة هى "الصنم والوثن" ، الجدران والأثاث .. ومن هنا، فإنالنهى عن "الصور" و"المصَّورين"، بالمعنى الذى يراد اليوم عندالحديث عن فنون التشكيل وفنانيها، يشهد لهذه الحقيقة الهامة المقارنة بين حديثينشريفين ورد فيهما مصطلح "الصورة" ويُفَسِّر ثانيهما الأوَّلَ على النحوالذى يضبط معنى هذا المصطلح ضبطًا لا سبيل معه إلى التجاوز أو الإبهام .

ففى الحديث الذى يرويه عبد الله بن عمر، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :"الذين يصنعون هذه الصور يعذبون، ويقال لهم: "أحيوا ما خلقتم"

 أما الضبط لمعنى"الصورة"، على النحو الذى أشرنا فيه إلى حديث رسول صلى الله عليه وسلممتحدثًا عن خير الناس يوم القيامة: "يُجْمع الناس يوم القيامة فى صعيد واحد،ثم يَطَّلُع عليهم رَبَّ العالمين، ثم يقال: ألا تتبع كل أمة ما كانوا يعبدون؟ ..فيتمثل لصاحب الصليبِ صليبُه، ولصاحب الصور صُوَرُه، ولصاحب النار ناره، فيتبعونما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون.."

 فالأمم التى انحرفت عن التوحيد فىالألوهية والربوبية، قد تمَّثلَتْ لها معبوداتها: الصليب للنصارى.. والصور – أىالأصنام – للوثنيين .. والنار للمجوس.

فالصورة، إذن، هى "الصنم والوثن" المعبود – للمشركين – من دونالله.. وليست تلك التى نتعارف عليها اليوم عندما نتحدث عن "الصور" وعن"المصورين"!..

ونقل الدكتور عبد الحليم محمود عن كتاب "الإسلام والحضارةالغربية" للأستاذ محمد كرد على ما يلى([28]):

أقر الرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم النقود التى كان يستخدمهاالعرب فى الجاهلية، وكانت ترد من المماليك المجاورة، وهى مصورة .

·       وضربعمر الدراهم نقش الكسروية وشكلها .

·       وضربمعاوية دنانير عليها تمثال متقلدًا سيفًا .

·       واستعملزيد بن خالد سترًا فيه صور .

·       وكانتالمنسوجات اليمنية فيها تصاوير .

·       وصنعتالصور فى دارى مروان بن الحكم وسعيد بن العاص .

·       وهكذالم يحرم الإسلام صناعة مفيدة فى كثير من العلوم والفنون .

أمَّا عن العمارة فالآثار الإسلامية شواهد ناطقة بممارسة المسلمين لفنونالعمارة فى أرقى صورها، ومن ذلك: كثير من المساجد نذكر منها مسجد السلطان

حسن، والأزهر الشريف فى القاهرة، المسجد الأقصى، وقبة الصخرة فىفلسطين،  وجامع الزيتونة فى تونس ، هذا إلىجانب الأسبلة والقصور البيمارستانات و المستشفيات وغيرها من روائع الفن والعمارةالتى بلغت قمتها فى ضريح "تاج محل" بالهند .

·       السينما ووعى مغلوط :

 

أما السَّينما فهى تحتاج إلى حديث ضافٍ موسّع. فغير خافٍ أن لغة الصورةالمرئية (من الأفلام والدراما التليفزيونية والسينما التسجيلية) تلعب دورًا هائلاًيتعاظم حجمه وتتسع دائرته فى العالم المعاصر لتشكيل الوعى وصناعة النموذج الأخلاقىورسم معالم القدوة. وحين يقيض للعمل السينمائى من يتمتع بقوة العقيدة وتخالط قلبهبشاشة الإسلام، فإنه يمكن – حينذاك – أن يكون قوة فعالة تخدم الدعوة وطاقة مساندةتدافع عن الإسلام وتذب عن رايته.

ولا نبعد عن الصواب- كثيرًا – حين نقول إنَّ (سينما هوليود) لعبت دورًامسموحًا-عبر تاريخها الطويل – فى تبغيص الشخصية العربية المسلمة إلى الرأى العام(أمريكيًا كان أم غير أمريكى)، وفى تنفير البسطاء فى الشارع الأمريكى من الإسلام،عقيدة وشريعة ورموزًا .

وقد انتهزت سينما هوليود الفرصة السَّانحة بعد انهيار (الاتحاد السُّوفيتى)كقوة عظمى وظهور فكرة (العدو العربى الإسلامى الإرهابى البديل) !! وكان ذلك إيذانًابأن تنطلق فى مطالع الثمانينيان أعداد هائلة من الأفلام السينمائية ذات الرسالةالسياسية المسمومة ضد الإسلام. وقد وصلت العدوى الرديئة إلى عالم "والتديزنى" وأفلام الكارتون. ولا أدل على ذلك من فيلم "علاء الدين" الذىقدم صورة نمطية "للعربى المسلم الشرير" وتذيل الفيلم أغنية سمجة تقول:

"أوه لقد جئت من بلاد ما .. من مكان بعيد

حيث تجول قافلة أبل ... وحيث يقطعون أذنك

إذا لم يعجبهم وجهك.. إنها بلاد بربريّة ولكنها .. هه .. بلادى !!!

ولعل الدراسات والبحوث كفيلة بإن تكشف أن هذا العداء الأسود

- ضد الإسلام- متمكن من "هوليود" منذ نشأتها المبكرة، ذلك أن أولأستوديو بناه "توماس أديسون" عام 1893 فى "نيوجرسى" كان أولإنتاجه من الأفلام السينمائية فيلم "رقصة المحجبات السبع" وهو عنوانيغنى عن أى تعليق !!!

بل إن فيلم "ساهارا" أو الصحراء (الذى أنتج عام 1982) أظهرالبطلة المسكينة وقد اختطفت على يد عربى وقام "شيخ مسلم" بإعداد بعضالتعاويذ وضروب السّحر للإضرار بها !

وهذا الدور التخريبى الهائل الذى لعبته هوليود وبتراكم زمنى طويل يمتد إلىعدة عقود ممتلئة بالمقت والكراهية والتفنن فى ضروب الإضرار الأدبى والمعنوى

نقول إن هذا الدور التخريبى حفز نفرًا من السينمائيين العرب على إعداد بعضالردود السينمائية المتواضعة التى تكشف الزيف وتبدد الأباطيل وتحاول استعادة نقاءالصورة التى عبثت بها الأيدى الاستعمارية الموجهة أو الأيدى الصهيونية الحاقدة.

ومن ذلك جهود المخرج الراحل (مصطفى العقاد) الذى قفز بأفلامه الهادفة إلىبؤرة الصورة فى مشهد الثقافة السينمائية الأمريكية .. وقد لعب فيلم"الرسالة" دورًا دعويًا هائلاً على صعيد المجتمع الأمريكى، فدخل بسببمنه أفواج كبيرة من التائهين الإسلام وتنورت قلوبهم بيقينه المطمئن كما أعاد فيلم"عمر المختار" اكتشاف البعد الإسلامى الناضج من تاريخنا الحديث .

ومتى وضعت الضوابط الشرعية الملائمة للفيلم السينمائى والدراماالتليفزيونية والسينما التسجيلية فإن بمقدورها أن تقدم للأمة أدوارًا دعوية نافذةشديدة القوة .

·       وخلاصة القول:

 

وبعدما قدَّمنا لا مجال للقول بأن الإسلام يعارض الإبداع الفنى، بل الصحيحأن الإسلام يدعو إلى الإبداع بكل صوره، فى إطار ضوابط عقائدية وأخلاقية، بحيث يصبحالفن وسيلة لرقىٍ الإنسان وتربية ذوقه الجمالى، وتغذية وجدانه وفكره بما هو جميلٌوراقٍ، لا وسيلة لتدمير الأخلاق والانحطاط بالأذواق .

وعلى هذا أجمع الفنانون ونقاد الفن فى كل العصور، يقول هربرت ريد:

"إن العمل الفنى هو – بمعنى من المعانى – تحرير للشخصية، إنَّنانتأمَّل عملاً فنيَّا فنشعر بالتنفيس عن مشاعرنا، بل إننا لا نشعر بهذا التنفيسفحسب – والتعاطف نوع من التنفيس-، ولكننا نشعر أيضًا بنوع من الإعلاء والعظمةوالتسامى ... فالفن هو الوجدان متخذًا شكلاً جميلاً"([29]).

وباختصار فالفن فى الإسلام وسيلة لا غاية .. والإبداع الفنى فى الإسلاممطلق من القيود، ولكنه منظم ومحاطٌ بضوابط تكفل له الرقىَّ بالإنسان وتحريرهوتهذيبه، والوصول به إلى أقصى مستوى ممكن للكمال .

واللهالهادى إلى الحق والصواب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .



) 1) انظر : هربرت ريد، معنى الفن، ترجمة سامىخشبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998 – صـ13.

 

([2])سيدقطب ، فى ظلال القرآن ، جـ 22 .

( [3] ) محمد قطب، منهجالفن الإسلامى، صـ54.

( [4] ) محمد قطب، منهجالفن الإسلامى، صـ 113 – 116 .

( [5] ) د. عبد الحليم محمود، موقف الإسلام من الفن والعلم والفلسفة، صـ 59 .

( [6] ) محمد قطب، منهج الفن الإسلامى، صـ 123 .

( [7] ) إرنست فيشر، ضرورة الفن، ترجمة أسعد حليم، الهيئة المصرية العامةللكتاب، 1998. – صـ 67 .

( [8] ) هربرت ريد، معنى الفن ، ترجمة سامى خشبة، الهيئة المصرية العامةللكتاب، 1998، صـ 52 .

( [9] ) الدكتور يوسف القرضاوى، فقه الغناء والموسيقى فى ضوء القرأن والسنة،صـ 30-33والحواشى التالية من صنع المؤلف .

( [10] ) المحلى لابن حزمِ: 9 / 10 طبعة المنيرية.

( [11] ) إِحياء علوم الدين ج2، ص: 260-261 ط. دار المعرفة-بيروت

( [12] ) إِغاصة للهفان ج1، ص/ 259.

( [13] ) تفسير الطبرى ج10، / 41 تفسير سورة لقمان.

( [14] ) تفسير ابن عطية ( المحرر الوجيز ) 11/ 484 - طبعة الدوحة: قطر.

( [15] ) تفسير ابن عطية ( المحرر الوجيز) ج11 /484 .

( [16])فقهالغناء والموسيقى، صـ39 .

( [17] ) أحكام القرآن(3/1994) .

( [18] ) الإحياء ( 2/25) .

( [19] ) انظر: نيل الأوطار(8/169) .

( [20] ) السماع لابنطاهر(ابن القيصرانى) ص طبعة المجلس الأعلى للشؤن الإسلامية بالقاهرة .

( [21] ) انظر المحلى(9/59).

( [22] ) فقه الغناءوالموسيقى، صـ 66 وما بعدها .

( [23] ) كلمة لا بد منها :   

إن ما ورد سابقًا من أحاديث نبوية شريفة بشأنالفن والغناء، إنما كان يوافق عليه النبى rلسموِّه، فلا ابتذال ولا تجريح، ولا خضوع بالقول، وكان الغناء بالصوت لا بالجسد،أما ما نراه اليوم من أن الغناء فى الأعم الأغلب لم يعد يُسْمَع بل أصبح يُرَى معما يصاحبه من عرى وإسفاف وابتذال، بل إن بعض المغنيات قد تبدى إشارات جنسيةفاضحة... وغير ذلك من وجوه الابتذال والتهتك والانفلات، فمثل هذا الانفلات لايستدل على حِلِّه بما أحله رسول الله r . ليس هذا ونخلُص منذلك إلى أن الإسلام يشجع الفن حين يكون بنِّاءً يبنى القيم والخلق، ويعلم الناسالفضائل، لكن الإسلام ضد الهدم والإفساد، والفرق بي الحالتين واضح .

(([24] الدكتورمحمد عمارة،الإسلام والفنون الجميلة صـ37-55 .

( [25] ) إحياء علوم الدين، ص1131 – 1132 .

(([26] إرنست فيشر، ضرورةالفن، صـ 243. عن : هيجل: "محاضرات فى الفن".

( [27] ) موقف الإسلام منالفن والعلم والفلسفة، صـ 38 .

( [28] ) موقف الإسلام منالفن والعلم والفلسفة، ص 38 .

( [29] ) هربرت ريد، معنىالفن، صـ23 .


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©