اسم المقالة: الأمة الوسط .. متى تعود ؟!
المؤلف: د. محمد داود
New Page 1

الأمة الوسط .. متى تعود ؟!

 د.محمد محمد داود

 dr.mohameddawood@yahoo.com

الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس ، لها حق الصدارة فى المجتمع الإنسانى ؛ لمزايا وخصائص أبرزها على الإطلاق أنها الأمة الوسط في كل شيء ، فهى الأمة المستخلفة في الأرض ، لا لسبب عنصري ، بل لأنها بوسطيتها تلك تستحق الخلافة. وتأتى أهمية الوسطية فى الإسلام الآن ؛ لأن المسلمين اليوم ـ وهم يواجهون مشكلات الحضارة وتحديات العصر ومعركة البقاء ـ ، لا يواجهون ذلك كله وهم على منهج واحد ، بل هنالك مناهج نشأت عن الابتعاد عن المنهج الوسط الذى ارتضاه الله لنا ، قال تعالى : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (153) [الأنعام: ١٥٣ ].

 وهو المنهج الذى كان عليه النبى وآله وصحابته وكل ابتعاد عن المنهج الوسط يولد الفرقة والتناحر والتشتت ، فلم تظهر الفرق الإسلامية المتنازعة إلا بعد ظهور الغلو في فهم الدين إفراطًا أو تفريطًا ، وكان المسلمون قبل ذلك أمة واحدة ، فصاروا فرقًا يكفر بعضهم بعضًا ، بل ويضع بعضها السيف فى رقاب بعض ، ويلعن أتباع كل طائفة أتباع الطائفة الأخرى ، فصار بأسنا شديدًا ، ومن هنا بدأ التصدع والشرخ فى القلعة الإسلامية ، وكبر هذا الصدع وامتد على مرور الزمان ، وكثرت الفتن ، وتشعبت الآراء ، وكانت النتائج مرة ، وبحسبنا أن نسأل أنفسنا:

 كيف سقطت القدس ؟ وكيف سقطت بغداد ؟ وكيف زرعت الفتن فى أرض الإسلام ؟

 والسؤال الذى يطرح نفسه هنا : من مَزَّق وحدة المسلمين ؟ ومن الذى جعلهم في أسفل درجات السلم الحضارى ؟ سيقولون : الأعداء ، والمؤامرة ... ولكن : ماذا يصنع الأعداء كلهم لو كان المسلمون فى تماسك واتحاد ؟ ماذا تفعل جرثومة المريض إذا كانت مناعة الجسد قوية ؟ فليبدأ كل منا بنفسه .. فكلنا نتكلم عن الوحدة الإسلامية ، فمن المتفرقون ؟! وكلنا يتكلم عن الوسطية ، فمن الغلاة ؟!

 • المشكلة أننا أمام تيارين فى المجتمع، كلاهما في حالة عداء مع الآخر: - التيار الأول: تيار التفريط في الدين وثوابته، والتهاون بحقوق الدين وواجباته، واتباع الهوى، وإيثار الشهوات. -

 والتيار الثانى: تيار الغلو والتشدُّد، الناشئ من سوء فهم لحقيقة الدين ومقاصده، أو كرد فعل نفسي مضاد لتيار الانحلال والتفريط، ويصحب الغلوَّ دائمًا تعصبٌ وهوى. والمنهج النبوي مثال للوسطية ، روى البخارى ومسلم عن أنس ـ رضى الله عنه ـ قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبى صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبى صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تَقَالُّوها ـ أي : رأوها قليلة ـ وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟. قال أحدهم : أمَّا أنا فأصلى الليل أبدًا . وقال آخر : وأنا أصوم الدهر فلا أفطر . وقال آخر : وأنا أَعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا .

 فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أَمَا واللهِ إني لأخشاكم لله، وأَتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر، وأُصلِّي وأَرْقُد، وأَتَزَوَّج النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني ».

• وكما أن الوسطية ضد الغلو والتطرف ، فهى أيضًا ضد التفريط، فالوسطية لا تعني التنازل عن الهدي الرباني ، روى البخارى عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ قالت: « ما خُير النبى صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، مالم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه ». • لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا : من الذى يعيد الأمة الوسط إلى المقدمة ويبعث فيها الحياة والروح ؟ هل الخصوم هم الذين سيفعلون هذا ؟ أبدًا ورب الكعبة ، فإن الخصم لن يقدم لنا هدية، ولكن دوره أن يهلكنا . لكن الذي يعيد الأمة الوسط ، هو أن تعود الأمة إلى هدي ربها طائعةً ، بأن تتخلَّى عن الفساد ، وعن سلبياتها المتراكمة التى صارت أخطر علينا من أعدائنا ، وأن تسعى لتؤدي دورها ، ولابد ـ فى سبيل ذلك ـ من التضحية بالوقت والمال والنفس ، بكل ما نملك .

 أمَّا أن تذهب كل جماعة وكل فرقة ترفع راية الخلاف والتعصب ونتبادل الاتهامات ، ويتحول اختلافنا إلى صراع وعداء ، فهذا أمر ينذر بكارثة أكبر مما نحن فيه.

 • إن الإنسان العاقل لا يستطيع أن يقف محايدًا إزاء الواقع المر التعيس ، ولا يستطيع أن ينسى أبدًا مسئوليته تجاه نفسه وتجاه أمته ، بل إن عظمة الإنسان إذا ما شاع الفساد وعم البلاء ، ألّا يذوب في تيار الفساد ، وإنما يقف موقف المعالج المرشد الناصح لأمته.

فليبدأ كُلٌّ منا بنفسه.

 وما يعقلها إلا العالمون وما يتذكر إلا أولو الألباب


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©