اسم المقالة: ما هذه الدنيا؟!
المؤلف: د. محمد داود

عــــــــــــابــــــــر سبـــــــــــيــــــــــــــــل

 

ماهذه الدنيا؟!

 

أ.د/محمد داود

Dr.mohameddawood@yahoo.com

 

كل حدث من أحداث الحياة - أى كل ما قبل الموت- فهو دنيا؛ لأنه قريبٌ وكلُّ ما بعد الموت هو الآخرة.

فكل ما لك فيه حظٌّ عاجل ونصيبٌ قريبٌ وغرض دانٍ  وشهوةٌ ولذةعاجلة الحال قبل الوفاة، فهى الدنيا.

        إلاأنه ليس كل ما لك فيه حظٌّ وميل مذمومًا، وإنما ينقسم إلى ثلاثة:

· الأول: ما يصحبك إلى الآخرة، كالعلم لوجه الله، والعمل الخالص لله، وهو من الدنيا ولكنه محمود، والنبى صلى الله عليه وسلم قال: "حبب إِلَىَّ من دنياك مثلاث: النساء والطيبُ، وجعلت قرة عينى فى الصلاة".

[النسائى، ك: عشرة النساء/3878]

· الثانى: كل ما فيه حظٌّ عاجل ولا ثمرةله فى الآخرة؛ كالتلذذ بالمعاصى والتنعم بالمباحات الزائدة عن الحاجة. فهذا كله منالدنيا المذمومة، وهى المحظورات من المعاصى.

· الثالث: وسط بين الطرفين، وهو كل حظ عاجل ولكنه معين على أعمال الآخرة خادم لها، كقدر القوت وكل ما يلزم الإنسان للبقاء فى الحياة، وهو وسيلة لفعل الطاعات؛ لذلك فهو ليس من الدنيا المذمومة، أماإن كانت النية فيه ترجع إلى الحظٌّ العاجل والمتعة القريبة والتنعم المجرد دون نيةالتقوِّى على الطاعة فهو من الدنيا المذمومة.

فالدنيا مذمومة إلاما أعان منها على الخير والتقوى؛ لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم : "منطلب الدنيا حلالاً مكاثرًا مفاخرًا لقى الله وهو عليه غضبانٌ, ومن طلبها استعفافًاعن المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر".

إذن.. فالدنيا حظُّ نفسك العاجل الذى لا حاجة فيه لأمر الآخرة. وعبَّر الله عن هذا الحظِّ بالهوى فقال تعالى:  )وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَىالنَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى (النازعات/41،40.

ومجامع الهوى فى خمسةأمور كما فى قوله تعالى:    )اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌبَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌفِي الأَمْوَالِوَالأَوْلادِ   (الحديد/20.

ثم نجد أن الله قدوضح الأعيان التى تحصل منها هذه الخمسة، وهى سبعة، قى قوله تعالى: )زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِالمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِوَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا(آلعمران/14.

وحكمة جعل هذه الزينةإنما لاختبار الإنسان؛ لقوله تعالى: )إِنَّاجَعَلْنَا مَاعَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْأَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (الكهف/7.

وقوله: )الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاًوَهُوَ العَزِيزُ الغَفُور ُ(الملك/2.

كل هذه المعطيات إنما تدفع العاقل اللبيب إلى أن يوجه القصد خالصًا لله، وإن كان ذلك يعرِّضه فى بعض الأحيان لحرمان من لذة عاجلة فى الدنيا، وما أهونـها على الله !!.

مرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على شاة ميتة فقال: "أترون هذه الشاة هيِّنةً على أهلها؟" قالوا: من هوانـها ألقوها. قال: "والذى نفس ىبيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء".

[الترمذى،ك: الزهد/2242]

والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: "الدنيا ملعونة، ملعونٌ مافيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم" [الترمذى, ك:الزهد/2244]، ٍويقول صلى الله عليه وسلم:"حب الدنيا رأس كل خطيئة" [كنز العمال/6114]،"وإن الدنيا حلوةٌ خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظرٌ كيف تعملون".  [مسلم،ك: الذكر/ 4925]

إن بنى إسرائيل لمابسطت لهم الدنيا ومهدت تاهوا فى الحلية والنساء والطيب والثياب.

ويقول النبى صلى الله عليه وسلم : "من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه, ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره, وجعل غناه فى قلبه, وأتته الدنيا وهى راغمة".

[الترمذى، ك: صفة القيامة/ 2389]

وفى الحديث القدسى:"يا ابن آدم، تفرغ لعبادتى أملأ قلبك غنًى وأملأ يدك رزقًا. يا ابن آدم، لاتباعد منى أملأ قلبك فقرًا وأملأ يدك شغلاً". [الترمذى،ك: صفة القيامة/2390]

وهكذا، يتضح مما سبق أن الدنيا ملعونة إلا ما أدى إلى الآخرة من علم وعمل، وأن الحياة كلها – بخيرهاوشرها - ابتلاءٌ من الله تعالى لعباده، فمن شغلته الدنيا عن الآخرة فقد سقط فى الفتنة، ومن شغلته الآخرة أتته الدنيا راغمة وحاز الخير كله فى الدنيا والآخرة.

 

وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ.. وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّاأُولُو الْأَلْبَابِ.. فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ

 


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©