اسم المقالة: هـل أضـعناك يا فـتى
المؤلف: د. محمد داود

23- هـل أضـعناك يا فـتى؟

كان للإمام أبى حنيفة النعمان جار يلهو ويغنى:

أضاعُونى وأىَّ فـتًى أضاعوا

 

لـيومٍ كـريهـةٍ وسـدادِ ثَغْـرِ

وكان الضيق يصيب أبا حنيفة بسبب إزعاج الفتى وضجيجه فى وقت الليل، وعلى الرغم من ذلك كان أبو حنيفة صابرًا محتسبًا.

وذات يوم وضع رجال الشرطة هذا الفتى المزعج فى الحبس، فلما علم أبو حنيفة بأمر حبسه شفع له، ثم قال له هاديًا ومعلمًا: هل أضعناك يا فتى؟ فقال الفتى: لا والله! وانتهى الفتى عن لهوه، وكفَّ عن إزعاجه.

*****

هذا الموقف يعلمنا كيف نعالج الأمور حين تكون مشكلة بين من تجمعهم صلة أوعلاقة من العلاقات الإنسانية، كعلاقة الجوار، وعلاقة أخوة الإيمان، وعلاقة العلم فالعلم بين أهله رحم، وعلاقة قرابة النسب... ونحو ذلك.

والموقف يتناول علاقةالجوار، تلك العلاقة التى اهتم بها الإسلام اهتمامًا بارزًا، فقد جاءت التوصية بحقالجار فى سياق كريم يأمر فيه الله تعالى عباده بحقه وحق الوالدين والأقربين، قالالله سبحانه: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًاوَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينِوَالْـجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْـجَارِ الْـجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْـجَنْبِوَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَنْكَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (النساء/36).

والنبىصلى الله عليه وسلم يعظم حق الجار، قال صلى الله عليه وسلم: «ما زال يوصينى جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».

أى: سيجعل له نصيبًا من الميراث كالأقارب.

وما من شك فى أن الإحسان إلى الجار، ورعاية حقوقه، وتحمل أذاه يؤدى إلى حصول المحبة والألفة والمودة بين أفراد المجتمع، ويصبح المجتمع أسرة كبيرة تواجه ظروف الحياة من يسر وعسر.

والنبى صلى الله عليه وسلم  جعل الإحسان إلى الجار علامةعلى خيرية الإنسان وأمارة على صلاحه؛ من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره».

وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله، إن فلانة يذكر من كثرةصلاتها وصدقتها وصيامها، غير أنها تؤذى جيرانها بلسانها، قال النبى صلى الله عليه وسلم: «هى فى النار»، قال: يا رسول الله فإن فلانة يذكرمن قلة صيامها وصلاتها وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذى جيرانها» قال النبىصلى الله عليه وسلم: «هى فى الجنة».

وهكذا يكون إيذاء الجار سببًا فى دخول النار،والإحسان إلى الجار سببًا فى دخول الجنة.

وفى الموقف فضيلة من فضائل الإحسان إلى الجار، وهى أن الجار إن عصـى الله فيك فينبغى أن تطيع الله فيه، وهذا ما فعله أبو حنيفة معالفتى اللاهى، وهذا منهج قرآنى، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْـحَسَنَةُ وَلَاالسَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَوَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ (فصلت/34).

أيضًا: نتعلم من الموقف متى نسدى النصيحة، واصطفاءالموقف المؤثر لذلك، فالإمام أبو حنيفة ما كان يستطيع أن يعظ هذا اللاهى إلا بعدهذا الموقف.

 

                                                                       والله المستعان

 


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©