اسم المقالة: لا تلعنه
المؤلف: د. محمد داود
New Page 3

لا تلعنه

 د. محمد داود

 • كان على عهد النبى رجل يُدعَى عبد الله، وكان يُضحِك رسول الله ، وكان النبى قد جلده فى الشراب، فأُتِىَ به يومًا فأمر به فجُلِد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبى : لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله.

 • هذا الموقف يبصِّرنا بـهدى كريم للنبى فى التعامل مع الإدمان، إنه ابتلاء يحتاج إلى علاج حين يصل موقف المدمن للخمر أو لشىء من المخدرات إلى الضعف وانـهيار العزيمة؛ وتمكن المخدر من دمه حتى أصبح أقوى من إرادته فى الإقلاع؛ لذلك فإن الانتكاسة أمرٌ وارد لدى المعالجين والمصلحين، بل يَعُدُّه البعض خطوة فى طريق الإصلاح، حيث تربِّى قوةُ الندم فيه قوةَ الإرادة، وترفع من قوة تحمل المدمن كى لا يسقط مرة أخرى.

 • الأمر الثانى: أن رسول الله يعلمِّنا ألاَّ نيأس من هؤلاء المدمنين الراغبين فى التوبة والعلاج، وأن نصبر أنفسنا معهم؛ لأنـهم أصبحوا غير أسوياء فى التفكير، وهم واقعون تحت ضغوط من المخدر فوق طاقتهم قد تغيِّب عقولهم وتضعف إرادتـهم فيفعلون أشياء ينكرونـها على أنفسهم إذا ما انتبهوا من غفلتهم وارتدَّ إليهم وعيهم وعقلهم.

• ومن هنا فهم- من هذا الجانب - من أهل البلاء، حيث إنـهم يريدون أن يتوبوا ولا يستطيعون، إنـهم فى حاجة إلى دعم ومعونة من إخوانـهم الأصحاء الأسوياء كى تصح لهم توبتهم ويتم لهم الشفاء. وتتمثل المعونة لهؤلاء فى تنمية قدرتـهم وإرادتـهم لتتغلب على قوة المخدر. وهذا يحتاج إلى خبرة ودراية بمعالجة العقول والقلوب والسلوكيات، حتى يكون الأمر على بصيرة ولا يقف عند حدود النصيحة القولية والتحذيرات واللوم أو التعنيف، بل نساعده ليكتشف نفسه ويكتشف سبب لجوئه إلى المخدر: هل هو هروب من واقع مؤلم؟ أم فشل فى تحقيق طموح أو أمل؟ أم هو الترف والفراغ وصحبة السوء؟ ... إلخ

 • ثم درس الأمل، فبالإيمان يتجدد الأمل، الأمل العريض فى وجه الله الكريم الحنَّان القادر على منحنا القوة والإرادة والعزيمة كى نتغلب على هذا العدو الطاغى (المخدر).

 • ثم إن الوقوف على نقاط الضعف التى يتأتى منها سقوط الإنسان فى بئر المخدر أمر فى غاية الأهمية كى يتجنب هذه الأمور، ويتعلم كيف يُحصِّن نفسه منها.

 • ثم صحبة الخير والصلاح هى البيئة التى يحدث فيها ومن خلالها التغير والتحول من السلوكيات الإدمانية إلى السلوكيات الإيمانية، لأن البيئة تمثل ساحة الفعل والتطبيق. ولذلك كانت نصيحة العالم للمسرف على نفسه الذى قتل تسعًا وتسعين نفسًا ثم أتمَّ المائة بقتل العابد الذى صرح له بأنه لا توبة له، أن يتـرك صحبة السوء وأرض الفساد التى عُرِفَ فيها بالمعصية والشر، ويتوجه إلى صحبة خير تعينه على تمام توبته وعلى حياته الجديدة فى الخير والصلاح، وتكون صحبة الخير فى البيئة الجديدة تقوية لإرادته وعزيمته فى مواجهة إلف العادة مع المخدر، كما تحميه من لحظات الضعف والسقوط.

 • وفى الموقف توجيه من النبى للمجتمع بأن لا يقف المجتمع ضد المبتلَى بالإدمان فى حال رغبته فى العلاج، فلا نشغل أنفسنا بعقابه بل نشغل أنفسنا بدعمه ومعونته وعلاجه؛ لذلك قال النبى للرجل الذى لعن من سقط فى شرب الخمر بعد توبته: «لا تلعنه».

 • ثم يكشف النبى عن هذا الخير الكامن بداخل هذا المدمن، وأنه يحب الله ورسوله، وهذه شهادة حق وصدق لرجل يحب الله ورسوله لكنه ابتُلِىَ بـهذا الداء الذى يسقط فيه كثير من الشباب، إمَّا بدافع التجربة مع أصدقاء السوء، أو التسلية معهم، أو البحث عن وهم السعادة والقوة، أو الهروب من ظروف سيئة أحاطت بـهم فإذا بـهم يعالجون مشكلة بكارثة لا تنتهى بـهم - إن لم يتوبوا ويأخذوا فى طريق العلاج ويصبروا عليه - إلا إلى أحد أمرين: الموت، أو السجن.

 • نسأل الله السلامة لأبنائنا، وندعو أفراد المجتمع أن يكونوا عونًا لمن يرغب فى التوبة والشفاء، وأن يتأسَّوا برسول الله حين قال للرجل الذى نظر للمدمن من جهة المعصية فلعنه، لكن النبى يحوِّل نظره إلى الخير الكامن فى هذه الشخصية، وإلى البلاء الذى وقع به فى غفلة منه، حيث قال : «لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله». لقد تعامل النبى معه على أنه مبتلى يحتاج للمعونة. ولنا فى سيدنا رسول الله أسوة حسنة وقدوة طيبة.

 وصدق الله العظيم: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)    الأنبياء/ 107.

 Dr.mohameddawood@yahoo.com


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©