اسم المقالة: الرحمة وأوهام العصاة
المؤلف: د. محمد داود
New Page 2

 الرحمة وأوهام العصاة

 د. محمد داود

 قام حوار بينى وبين شاب طموح مجتهد، بدأنى بصوت لاهب ينعى على الفهم المضطرب والمعوج لكثير من معانى الإسلام العظيمة، وبدأ بعرض فهم كثير من المسلمين لمعنى الرحمة، فإذا أهمل عامل وضيَّع حقوقًا أو أساء إلى الآخرين، طالب البعض برحمته فلا يُعاقَب مسىء ولا يُلام مهمل.

 ويسأل: هل الرحمة عاطفة تضيع معها الحقوق وتسقط الواجبات؟! وامتد الحديث بيننا إلى صورة أخرى من الفهم المعوج لمعنى الرحمة حين يتخذ العصارة الرحمة سلمًا للمعصية وسبيلاً للسلامة من العقاب، وحجتهم: يا أخى نحن بشر ولسنا ملائكة، ورحمة ربنا واسعة، وربنا قال:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) الأعراف/ 156.

 والحق أن هذه الحجج ومثلها من تلبيس إبليس على الناس، وليس معنى سعة رحمة الله فتح الباب أمام العصاة، وليست الرحمة عاطفة لا عقل معها أو شفقة تتنكر للعدل. وقد ضرب الإمام الغزالى رحمة الله مثلاً يرد به على الذين يتعللون بأن رحمة الله وسعت كل شىء فلا يبالون بفعل المنكرات وارتكاب المعاصى؛ قال رحمه الله: لو أن هناك قاعة تسع ألف جالس، ولكن لا يؤذن بدخولها إلا لمن يحمل بطاقة محددة، فإذا رفض البعض حمل هذه البطاقة المعهودة فحرموا من الدخول، هل ذلك عيب فى سعة القاعة، أم العيب فى تكاسلهم عن استيفاء الشروط! وليت هؤلاء يقرؤون الآية لآخرها؛ قال الله تعالى:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )الأعراف: 156-157.

 فطريق الفوز برحمة الله تعالى – كما توضح الآية – لأهل الإيمان والتقوى والافتداء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وتشير آية أخرى بقرب رحمة الله من المحسنين. قال الله تعالى:( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الأعراف/56.

 وفى المقابل يبين الله فى الحديث القدسى أن العدالة الإلهية لا تسوِّى فى عطاء الرحمة بين الصالح والطالح، قال الله تعالى فى حديثه القدسى: "ما أقل حياء من يطلب جنتى بغير عمل، كيف أجود برحمتى على من بخل علىَّ بطاعتى".

 وقد تأخذ الرحمة شكلاً قاسيًا وصورة مؤلمة فى ظاهرها فى بعض الأحوال؛ فرحمة الطبيب بالمريض بأن يمد المشرط يستأصل الداء، وقد يدفع الأب ولده إلى المدرسة والعمل فى جو ممطر أو فى حر وازدحام. ومثل ذلك من الأفعال التى يكون فى ظاهرها الشدة والألم وفى باطنها الرحمة؛ فحين يؤخذ على يد المسىء ويعاقب على إساءته لينتظم العمل فذلك عين الرحمة.

 أما مجال الرحمة فى الإسلام فيكون بالتعاطف مع أهل الاحتياج والأعذار من الفقراء والمساكين والأرامل والمصابين والمرضى ونحو ذلك، ويمتد مجال التراحم ليشمل الحيوان فلا نحمل عليه فوق طاقته أو ندعه بلا طعام ولا شراب ونحو ذلك. وفى الحديث عن مسلم، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "بينما رجل يمشى بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنـزل فيه فشرب ثم خرج، وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذى كان بلغ منى! فنـزل البئر فملأ خفَّه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب فشكر الله تعالى له فغفر له"، قالوا يا رسول الله: وإن لنا فى البهائم لأجرًا؟! فقال صلى الله عليه وسلم : "فى كل كبد رطبة أجر".

 ورحمة الإنسان بنفسه أن يلزمها طاعة الله تعالى وأن يباعد بينها وبين المعاصى.

 وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ.. وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.. فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ

 Dr.mohameddawood@yahoo.com


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©