اسم المقالة: عسر الهضم فى البحوث المعاصرة
المؤلف: د. محمد داود
New Page 2

عسر الهضم  فى  البحوث المعاصرة

 د. محمد محمد داود

 من المآسى الفكرية التى نعيشها فى هذه السنين العجاف، أن أغلب الباحثين العرب المعاصرين - الذين هم عنوان حضارتنا – يكتفون بجهود القدماء، يدورون فى فلكها ولا يبذلون جهدًا فى تقديم أفكار تناسب هذا العصر أو الخروج بحلول للمشكلات الحاضرة، وكأنهم قد تجمدوا عند زمن بعينه لا يغادرونه ولا يدركون ما يجرى على العالم من تطورات وتغيرات تحتاج إلى فكر متجدد وعقول متفتحة تستطيع استيعاب دروس التاريخ وقراءة الواقع المعاصر فى آن واحد، لاستنباط ما يلائم ظروف عصرنا ومقتضياته وأسئلته الشائكة!!

 فإذا ما طرحت مسألة من مسائل هذا الزمان على بساط البحث، تراهم ينقلون آراء القدماء دون أن يستخلصوا منها ما يفيدنا فى هذا العصر، إنـهم يتعاملون مع آراء القدماء وكأنـها مقدسات كقداسة القران والسنة.

 رحم الله أسلافنا لقد أدوا دورهم بامتياز لكن المشكلة فينا، فى عقولنا التى لا تريد أن تتصدى للتحديات المعاصرة وتنهض لتؤدى دورنا المفقود.

 هذا مع أننا نحفظ عن ظهر قلب وصية النبى صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضى الله عنه حين بعثه قاضيًا؛ فقال له صلى الله عليه وسلم : «بم تقضى يا معاذ».

 قال: بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد؟!» . قال: فبسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال«فإن لم تجد» قال: أجتهد رأيى ولا آلو. أى أُعمل فكرى ولا أقصر ما دام الأمر غير منصوص عليه فى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الحمد لله الذى وفق رسولَ رسولِ الله لما يحبه الله ورسوله».

 ولكن يبدو أن الباحثين المعاصرين لم يستوعبوا الدرس النبوى الحكيم، أنـها حالة أشبه بعسر الهضم، ولو أنـهم استطاعوا أن يهضموا أفكار القدماء وآراءهم لرأوا أن من واجبهم أن يستخرجوا حلولاً جديدة، وأن يبدعوا أفكارًا ورؤى تناسب هذا العصر، مثلما أبدع القدماء - جزاهم الله عنا خيرًا - هذا الميراث العظيم من الأفكار والنظريات والرؤى التى كانت فى وقتها صالحة وكافية لحل المشكلات التى واجهتهم، وأبسط مثل لذلك ما كان من خلاف حول قتال مانعى الزكاة، وكلنا نعلم ماذا كان موقف سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين رفض محاربة من يقول «لا إله إلا الله» وكيف تخلى عن رأيه هذا لمَّا تبدَّى لـه أن الحق مع أبى بكر الصديق رضى الله عنه حين قال: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فما كان من عمر إلا التسليم والاعتراف بصواب رأى الصديق - رضى الله عنهما - وتلك مسألة لم تكن مطروحة فى عهد النبوة.

وكذلك كان التابعون وتابعوهم فى إخلاصهم لهذا الدين العظيم الذى حرَّر العقل الإنسانى، وأتاح لـه الانطلاق من جمود التقاليد، وابتكار أفكار جديدة وإبداعات مستحدثة تناسب الواقع الإنسانى المتغير من زمن إلى زمن، والظروف التاريخية المحيطة بالوقائع والأحداث، ولم يضع قيودًا على العقل الإنسانى تجعله عاجزًا عن التصرف أو أسيرًا للموروثات القديمة.

 ولعلَّ هناك إشارة إلى مفهوم التطور والإبداع فى قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يأتى على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة شبابـها» أى يحررها من الجمود الفكرى والانغلاق، ويخرجها من الدوران فى فلك القدماء؛ كى تكون قادرة على رؤية واقعها واستيعاب مشكلاته وتقديم حلول عصرية لهذه المشكلات المتجددة.

 إننا بحاجة إلى باحثين استطاعوا هضم فكر القدماء، ولم يقفوا عند لحظة زمنية بعينها، بل توجهت أنظارهم إلى عصرهم يرصدون ما فيه من تطورات، ويبتكرون لمشكلاته الحلول الملائمة، وهاك بعض الأمثلة عن المواجهات والتحديات المعاصرة: - ماذا نفعل فى مواجهة السماوات المفتوحة والأقمار الصناعية ووسائل الإعلام المتعددة؟!

 - ماذا لدينا من وسائل لتقديم فكرنا وحضارتنا للعالم عبر آلة الإعلام الرهيبة؟!

 - ماذا نفعل فى مواجهة طوفان العولمة الثقافية والسياسية والاقتصادية؟!

 - ماذا نقول لأبنائنا ونحن تحت وطأة الهزيمة والانكسار والضعف وعدم القدرة على التأثير؟!

 - هل نكتفى بأن نتباهى بأمجاد الماضى ونقول لهم إننا كنا سادة العالم يومًا؟! وأن ديننا يحث على الإبداع ويدعو إلى التقدم ؟!

 - أم أن بإمكاننا إعادة صياغة هذه الأفكار وتقديمها لأبنائنا فى صورة تناسب ما درجوا عليه وما هم بصدده من مشكلات؟! لا شك أننا بحاجة ماسَّة إلى إعادة النظر لاستخراج حلول لمشكلات واقعنا تناسب هذا العصر ولا تتعارض - فى الوقت ذاته - مع تعاليم ديننا الحنيف، لتجديد شباب هذا الدين والاحتماء تحت رايته فى مواجهة طوفان العولمة؛ كى لا تذوب شخصيتنا القومية وتتلاشى.

 إننا بحاجة إلى عقول يقظة، تستطيع أن تستوعب جهود القدماء وعيونـها مفتوحة على الواقع المتغير، مؤمنةً أنه ليس بإمكانـها إيقاف حركة التاريخ وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. إننا بحاجة إلى عقول تجيد الهضم ثم تخرج هذا الرحيق مصفًّى من الكدر والشوائب سائغًا للشاربين.

 والله المستعان


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©