اسم المقالة: لـو قلـت: إن شـاء اللـه
المؤلف: د. محمد داود
New Page 4

 لـو قلـت: إن شـاء اللـه

 لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، وأصاب الناسَ التعبُ، وطلبوا الراحة ليلا فى الطريق، قال النبى صلى الله عليه وسلم : «من يوقظنا لصلاة الفجر؟». فقال بلال رضى الله عنه: أنا يا رسول الله. فنزل الناس وناموا، وأسند بلال ظهره إلى بعيره، وغلب النومُ القومَ جميعًا ـ بما فيهم بلال ـ إلى أن طلعت الشمس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من استيقظ، فنادى بلالًا معاتبًا له، فقال بلال: ما نمت مثل هذه النومة أبدًا.

 فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : «لو قلت: إن شاء الله لاستيقظت يا بلال». ثم أمر الصحابة بالوضوء والصلاة.

 *****

 • هذا الموقف يعلمنا فقه المشيئة الربانية وأدبها، إن آمال الناس فى المستقبل لا تنتهى، يخطط أهل العقول ويدبرون؛ كى يتمكنوا من أسباب النجاح، والمستقبل بيد الله تعالى، ومن يتأمل أحداث الحياة وتقلبها وتغير الموازين وتبدلها يرى صدق المقادير الإلهية والمشيئة الربانية التى لا تسير وفْق عواطف الناس، وإنما أمرها إلى الله تعالى، وصدق الله إذ يقول: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) (آل عمران/154).

 لذا كان تدبيرنا وتخطيطنا ناجحًا إذا وافق قدر الله سبحانه وتعالى، وإلا فلا وجود له ولا نفاذ له، ومن هنا كان الأمر الإلهى بتقديم المشيئة فى سائر أمورنا المستقبلية، وفى هذا إيمان من الإنسان بأن تدبير الله فوق تدبيرنا، ومشيئة الله فوق مشيئتنا. وهنالك تطبيقات عملية بشأن المشيئة من القرآن والسنة: ومنها هذا الموقف بين بلال رضى الله عنه وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ حيث تعهد بلال بأن يوقظ النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصلاة الفجر دون أن يقدم المشيئة قائلًا: إن شاء الله تعالى، ونام بلال حتى طلعت الشمس، فتعجب مما حدث له من غلبه النوم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم له: لو قلت: «إن شاء الله» لاستيقظت وأيْقَظْتَ».

 والقرآن الكريم ذكر أن بنى إسرائيل لما أمرهم الله بذبح بقرة، فشددوا على أنفسهم بالسؤال عن أوصافها وتحديد معالمها، لمْ يهتدوا إليها إلا بعد أن قالوا:( وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) (البقرة).

 أيضًا يأتى فى هذا السياق عتاب الله لنبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بشأن وعْدِه الكفار بالإجابة عن أسئلتهم غدًا، دون أن يقدم المشيئة؛ وذلك حين سألوه عن «الروح، وأهل الكهف، وذى القرنين»، فانقطع الوحى عنه خمسة عشر يومًا، ثم أنزل الله قوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) (الكهف).

 كذلك سيدنا سليمان عليه السلام فقد روى البخارى ومسلم، عن أبى هريرة رضى الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: «قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين كلهن يأتى بفارس يجاهد فى سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذى نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فى سبيل الله فرسانا أجمعون»، وفى ذلك نَزَلَ قول الله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) (ص).

 وعليه فالتعبير: «إن شاء الله» يعبر عن يقين المؤمن فى أن الأمر كله بيد الله، وعن توكل صادق عليه سبحانه.

 أما أن يستعمل البعض التعبير القرآنى «إن شاء الله» للشك أو الاحتمال وعدم الجدية فهو خروج بالتعبير عن قيمته الإيمانية، ويُحْرَمُ العبدُ توفيقَ الله وعونَه.

 والله المستعان


 
   
   
  :الاسم
  :البريد الالكتروني
 
:التعليق
برجاء كتابة كلمة بيان فى المربع التالى للأستمرار  
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©